Home » مؤشرات فشل مفاوضات COP 30

مؤشرات فشل مفاوضات COP 30

by CEDARE Team

قمة الأمازون بين الشك واليقين

في إطار المفاوضات الجارية بالمؤتمر الثلاثين للأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (COP30) بمدينة بيليم بالبرازيل، يأتي اختيار المدينة التي تقع على مصب نهر الأمازون بأمريكا اللاتينية كرسالة ذات رمزية قوية، ودعوة عالمية للعمل من قلب أكبر غابة مطيرة في العالم. تأتي استضافة البرازيل لمؤتمر الأطراف في ظل الذكرى السنوية العاشرة لاتفاقية باريس، والتي تهدف إلى بدء “عقد الإنجاز”، من أجل أن تترجم الوعود أخيرًا إلى تقدم ملموس على نطاق كوكب الأرض.

ولكن تحت هذا السطح المفعم بالآمال والوعود، هناك العديد من التوترات والخلافات التي تعقد عمليات التفاوض. ويظل اعتماد نجاح المفاوضات على قدرة الدول الأطراف على إيجاد نقاط مشتركة تراعي كافة الأطراف لضمان وجودهم على مائدة مفاوضات واحدة للتوافق على مخرجات واضحة ومحددة؛ تؤكد أن هذا التجمع العالمي الكبير متحد ضد تهديد كوكبي مشترك، وليس صدامًا بين الأولويات المتضاربة والأزمات الجيوسياسية والاقتصادية والحقائق العلمية المثيرة للتفكير.

تستكشف هذه الورقة خمسة من أكثر النقاط المؤثرة، والمتناقضة في نفس الوقت، والتي تمت إثارتها قبل انعقاد المؤتمر. وتكشف هذه النقاط مجتمعة تحديات حقيقية يواجهها المفاوضون والنشطاء وقادة العالم أثناء تجمعهم في الأمازون لرسم مسار مستقبل البشرية.

“مؤتمر الأمازون” تستضيفه قوة صاعدة في مجال النفط والغاز

تكمن المفارقة المركزية للمؤتمر في ترويج البرازيل لنفسها كقائد رائد في مجال البيئة، وهو ما تؤكده تصريحات الرئيس دا سيلفا عن ضرورة حماية غابات الأمازون، وتأكيده أن الاختيار الرمزي لمدينة بيليم كمدينة مضيفة يعكس التأكيد على الأهمية الحاسمة للغابات في العالم. كما أطلقت البرازيل برنامجًا عالميًا تحت مسمى “مرفق الغابات الاستوائية الدائمة” (TFFF) بهدف جمع نحو 125 مليار دولار من القطاعين العام والخاص لدعم دول العالم في جهود صون الغابات على مستوى العالم، وهو ما دعمته العديد من الدول في أول أيام المؤتمر.

من ناحية أخرى، تتناقض هذه القيادة الخضراء مع طموحات الوقود الأحفوري في البرازيل؛ والتي تعد ثامن أكبر مصدر للنفط والغاز في العالم، وتمتلك خطط طموحة لزيادة إنتاجها بنسبة 20٪ بحلول عام 2030.  وقد واجهت الحكومة خلال الأشهر الماضية انتقادات شديدة لطرحها حقوق استكشاف وتنقيب جديدة في منطقة حساسة من حوض الأمازون، في مقابل توقيعها “إعلان بيليم” لعام 2023، إضافًة لسبع دول أخرى في إقليم الأمازون، بهدف تعزيز الحماية والإدارة المستدامة لغابات الأمازون المطيرة، مع إغفال أي التزام بإنهاء إزالة الغابات بحلول عام 2030 أو وقف توسع صناعات النفط والغاز، وهي الصناعات نفسها التي تساهم بنصيب الأسد في تدمير غابات الأمازون.

هذا التناقض بين الطموحات المناخية المعلنة واستمرار التوسع في صناعات الوقود الأحفوري يخلق تحديًا هائلًا للمصداقية. فمن المربك تصور أن الدولة التي تستضيف أحد أهم مؤتمرات الأطراف منذ سنوات، ويعول عليه الخروج بآليات تنفيذ واضحة بعد فترات طويلة من المفاوضات والارتباكات المتلاحقة، تقوم بالتخطيط في الوقت نفسه لتوسع كبير في عملياتها في قطاع النفط والغاز. هذا التناقض الداخلي داخل الدولة المضيفة هو نسخة مصغرة من حالة الشلل العالمي التي تصيب المفاوضين – عالم يدافع علنًا عن العمل المناخي، بينما يظل مدمنًا اقتصاديًا على الصناعات التي هي أساس الأزمة.

المأزق السياسي الذي يقع فيه كبار علماء المناخ في العالم

لعقود من الزمن، كان الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) هو الأساس والركيزة الذي تستند إليه مفاوضات المناخ، المصدر الذي يفترض أنه لا يمكن المساس به للحقيقة الموضوعية. لكن الآن، يبدو أن هذا الأساس يتصدع تحت الضغط السياسي. أصبحت الهيئة العلمية التابعة للأمم المتحدة ساحة للمعارك السياسية، غارقة في صراع غير مسبوق ومجهول المآل.

على مدى عامين، وصلت عملية الاتفاق على جدول زمني للتقرير الرئيسي التالي للفريق، التقرير التقييمي السابع (AR7) إلى طريق مسدود. يوصف هذا الفشل في التوصل إلى توافق في الآراء بأنه “غير مسبوق في تاريخ الفريق الحكومي الدولي”؛ حيث تريد غالبية الدول، بما في ذلك الدول الجزرية الصغيرة والدول المتقدمة، أن يتم نشر التقارير العلمية في الوقت المناسب لإبلاغ تقرير الحصيلة العالمية (Global Stocktake) التالي الذي يصدر كل خمس سنوات. بينما عارضت كتلة صغيرة، ولكنها متنامية من الدول، بما في ذلك الصين والهند وروسيا، مرارًا وتكرارًا هذا الجدول الزمني.

هذا الصراع أكثر من مجرد إجرائي؛ إنه أحد أعراض غياب الثقة ومحاولة إستراتيجية سياسية من قبل البعض للتقليل من أهمية علم المناخ الذي يقدمه الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ في صنع القرارات المتعلقة بتغير المناخ. ويكشف هذا الجمود أن حتى عملية التوصل إلى إجماع علمي قد تم “تسليحها”، مما يهدد الأساس الموضوعي المشترك المطلوب للتعاون العالمي الفعال.

ثقب أسود بفاتورة المناخ العالمية بقيمة تريليون دولار

تهدد الفجوة الهائلة في تمويل المناخ بمزيد من تآكل الثقة في تمويل المناخ وعرقلة المفاوضات في بيليم. تقدر الاحتياجات السنوية للدول النامية للتكيف مع المناخ وحده بأكثر من 310 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، في حين إن التمويل العام الدولي الذي تلقته تلك الدول لهذا الغرض في عام 2023 لم يتجاوز 26 مليار دولار أمريكي فقط (برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2025). ولم تؤد المفاوضات الأخيرة إلا إلى اتساع هذه الفجوة؛ ففي مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين COP29، تم تحديد الهدف الكمي الجماعي الجديد المتعلق بالتمويل المناخي (NCQG) المبلغ الذي يجب أن تقدمه الدول المتقدمة بقيمة 300 مليار دولار أمريكي فقط سنويًا بحلول عام 2035. يتناقض هذا الرقم بشكل صارخ مع الحاجة المقدرة بحوالي 1.3 تريليون دولار أمريكي سنويًا من إجمالي التمويل لتسهيل التحول المناخي في البلدان النامية.

وبالنسبة للدول النامية، لا يمثل هذا التناقض فشلًا فحسب، بل تراجع عن الوعود السابقة؛ حيث ينتهك المبدأ الأساسي المتمثل في “المسؤوليات المشتركة، ولكن المتباينة” المنصوص عليه في معاهدة الأمم المتحدة للمناخ لعام 1992 في البرازيل نفسها، والتي تنص على أن الدول الغنية المسؤولة تاريخيًا عن الأزمة يجب أن تقود تمويل الحل. لقد أضر تراجع الدول الغنية عن التزاماتها بثقة الدول النامية في المفاوضات الجارية بمؤتمر الأطراف الثلاثين؛ حيث من المفترض أن تقدم “خارطة طريق باكو إلى بيليم” أخيرًا خطة موثوقة ذات مصداقية لتعبئة المبلغ المطلوب البالغ 1.3 تريليون دولار. وبدون تلك الخطة، قد يكون التقدم على كافة الجبهات الأخرى مستحيلًا.

لم تعد المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية تطالب بمقعد، إنها تضع جدول الأعمال!

ناضلت المجتمعات المحلية والسكان الأصليين من أجل الاعتراف بها في مؤتمرات المناخ لسنوات. في مؤتمر الأطراف الثلاثين، تجاوزت مطالبهم ذلك إلى حد تأكيد سلطتهم. جاء ذلك بارزًا في “الإعلان السياسي للشعوب الأصلية في حوض الأمازون” الذي أعلن فيه قادتهم من جميع أنحاء الأمازون عن نيتهم في أن يكونوا “المضيفين والأبطال” لمؤتمر الأطراف.

يبرز الإعلان أن موقفهم ليس موقفًا تفاوضيًا، بل مطالب واضحة وواجبة التنفيذ، تستند إلى المعرفة الموروثة والإدارة المثبتة لأحد أهم النظم البيئية في العالم. أبرز الإعلان عن أولوياتهم الأساسية الست الآتية:

  • يجب الاعتراف بالترسيم الكامل وحماية أراضي المجتمعات المحلية والسكان الأصليين، ولا سيما تلك التي تأوي المجتمعات المحلية أو السكان الأصليين المعزولين والذين هم في مرحلة الاتصال الأولي (PIACI)، كسياسة مناخية فعالة لضمان الحقوق والحفاظ على التنوع البيولوجي.
  • يجب أن تضمن الآليات المالية المناخية، بما في ذلك آليات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وصول المجتمعات المحلية والسكان الأصليين المباشر إلى الموارد، وتعزيز منظماتها وصناديقها الخاصة بالتخفيف، والتكيف، ومعالجة الخسائر والأضرار.
  • يجب ضمان المشاركة الكاملة والعادلة والفعالة للمجتمعات المحلية والسكان الأصليين، المستمدة من أنظمة الحوكمة الخاصة بها، في جميع مجالات صنع القرار المناخي، بما في ذلك مؤتمر الأطراف.
  • يجب أن تتضمن سياسات المناخ تدابير لضمان سلامة وحماية قادة المجتمعات المحلية والسكان الأصليين والمدافعين عنهم الذين يحافظون بنشاط على الغابات والبيئة.
  • يجب الاعتراف رسميًا بأنظمة المعرفة الأصلية وأساليب الحياة المستدامة كإستراتيجيات مشروعة وصالحة للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه واستعادة البيئة.
  • يجب إصدار مرسوم يقضي بإعلان أراضي المجتمعات المحلية والسكان الأصليين مناطق دائمة خالية من أنشطة الاستكشاف، والحظر الصارم لكافة الأنشطة الاستخراجية لحماية الحياة والحقوق والنظم الإيكولوجية الحيوية.

ويختتم إعلانهم ببيان لا لبس فيه يحدد أهمية المؤتمر، ليس بالنسبة لهم فحسب، بل للعالم بأسره: “بينما تستثمر الحكومات في الحروب، نستثمر نحن في الحياة. نحن صوت الأرض الأصلي – السلطات الحقيقية للمناخ. لقد حان الوقت. سيكون COP30 نقطة تحول: إما أن توضع المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في قلب قرارات المناخ، أو سيذكر التاريخ أنها كانت شريكة في الانهيار”.

تغير هدف 1.5 درجة مئوية – مما يبعث على القلق

على مدى عقد من الزمن، كان الأساس المركزي لسياسة المناخ العالمية هو “الحفاظ على 1.5 درجة مئوية في متناول اليد”. لقد تغير هذا الخطاب الآن بشكل جذري وواقعي. وفقًا للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فإن “تجاوزًا مؤقتًا لعتبة الاحترار البالغة 1.5 درجة مئوية يعتبر الآن أمرًا حتميًا”، مما يعني أن العالم سيصبح أكثر سخونة من 1.5 درجة مئوية قبل أن يبرد مرة أخرى.

وتؤكد الأرقام الثابتة الواردة في تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة هذه الحقيقة. حتى لو تم تنفيذها بالكامل، فإن المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) تضع العالم على مسار خطير يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 2.3-2.5 درجة مئوية خلال هذا القرن (برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2025). وهذا يمثل فشلًا كارثيًا في تحقيق أهداف اتفاق باريس.

وفي حين أن الهدف طويل الأجل المتمثل في استقرار درجة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية لا يزال “نجم الشمال” للعالم، فقد تغيرت الأولوية السياسية والعملية العاجلة؛ حيث ينصب التركيز الآن على إبقاء ذلك التجاوز الحتمي “صغيرًا وقصيرًا قدر الإمكان”. هذا اعتراف صارخ بأن عقودًا من العمل والإجراءات غير الكافية والواقع القاتم التي سيحدد “عقد الإنجاز” – الذي من المفترض أن يطلقه مؤتمر الأطراف الثلاثين – لم تؤت ثمارها المرجوة.

الخلاصة: “جهد جماعي” أم تصادم بين الحقائق؟

وعليه، فإن اجتياز كافة هذه التناقضات إلى نتيجة ناجحة في “عقد الإنجاز” محفوف بتوترات عميقة. دولة مضيفة ذات أولويات متضاربة فيما يتعلق بالوقود الأحفوري، وعملية علمية يعرقلها الجمود السياسي، ونظام مالي عالمي فشل في الوفاء بوعوده، وعتبة مناخية تم تجاوزها بالفعل. في المقابل، يراهن البعض على الوضوح الأخلاقي وحراجة الوضع الحالي والمطالب الحازمة لقادة المجتمعات المحلية والسكان الأصليين الذين لم يعودوا ينتظرون الإذن بالقيادة.

لقد عبّرت الرئاسة البرازيلية عن مؤتمر الأطراف الثلاثين على أنه موتيراو (Mutirão)، أو جهد جماعي يجتمع فيه أفراد المجموعة لتحقيق مهمة مشتركة. وسيترقب العالم ما إذا كان هذا المتيراو العالمي قادرًا على بناء جسر عبر هوة من الوعود التي أُخلفت، أو ما إذا كانت منطقة الأمازون ستشهد على اللحظة التي انهارت فيها طموحات المناخ في العالم أخيرًا تحت وطأة تناقضاتها.

You may also like