يُعترف بشكل متزايد بريادة الأعمال المستدامة باعتبارها ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة البيئية على الصمود في المنطقة العربية. ومع ذلك، يواجه تمكين ريادة الأعمال المستدامة والدائرية في مختلف أنحاء المنطقة مجموعة مشتركة من العوائق الهيكلية، أبرزها: تجزؤ السياسات وضعف إنفاذها، وهشاشة سلاسل قيمة النفايات والموارد، ومحدودية البيانات والمعايير الخاصة بالمواد الثانوية، إضافة إلى فجوات المهارات في مجالات التصميم الدائري والإصلاح ونماذج الأعمال، مما يرفع مستويات المخاطر وتكاليف المعاملات أمام الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (الإسكوا، 2023). كما يبرز قيد متزايد الأهمية يتمثل في ضمان الوصول الآمن إلى المعادن الحيوية (والقدرة على استعادتها محليًا عبر إعادة التدوير)، الأمر الذي يعرّض الدول العربية لمخاطر تركّز الاستيراد وتقلبات الأسعار والمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسلاسل الإمداد، بما قد يقوّض نماذج الأعمال الدائرية (الوكالة الدولية للطاقة، 2024).
غير أن هذه التحديات تتباين حدتها بين الأقاليم الفرعية. ففي دول الخليج، غالبًا ما تتمتع الحكومات بهوامش مالية أقوى وأجندات طموحة للنمو الأخضر، إلا أن المشروعات الدائرية لا تزال تواجه تحديات في خلق الأسواق (بسبب انخفاض أسعار المواد الخام البِكر ودعم المرافق)، والاعتماد الكبير على الحلول القائمة على البنية التحتية الضخمة، وأطر المشتريات والتنظيم التي قد تكون مبتكرة لكنها لا تترجم دائمًا إلى فرص حقيقية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (مركز الخليج للأبحاث، 2023). أما في شمال أفريقيا وأجزاء من المشرق، فتتمثل القيود الأكثر إلحاحًا في محدودية الوصول إلى التمويل والسيولة، وانتشار الطابع غير الرسمي في جمع النفايات وإعادة تدويرها، وضعف القدرات والبنية التحتية البلدية، وارتفاع المخاطر الاقتصادية والسياسية. ويؤدي ذلك إلى صعوبة توسع رواد الأعمال الدائريين إلى ما بعد المشروعات التجريبية، رغم وجود طلب واضح وإمكانات قوية لخلق فرص العمل (GIZ، 2023). وفي كلا السياقين، تؤدي عوائق الشمول، لا سيما أمام المشروعات التي تقودها النساء والشباب، إلى تفاقم قيود التمويل ودخول السوق، مما يقلص قاعدة المشروعات الدائرية القابلة للاستثمار (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2024).
ومع تزايد الضغوط المرتبطة بندرة الموارد، وتوليد النفايات، وتغير المناخ، والبطالة، أصبح الانتقال من النماذج الاقتصادية الخطية إلى نظم مستدامة ودائرية أولوية تنموية وفرصة اقتصادية استراتيجية في آنٍ واحد. ويتطلب تمكين هذا الانتقال أكثر من مجرد أفكار أعمال مبتكرة؛ إذ يعتمد على سياسات عامة متسقة وآليات دعم فعّالة تخلق بيئات ممكنة وشاملة ومستجيبة للنوع الاجتماعي للمشروعات الخضراء والاجتماعية. وفي هذا السياق، يضطلع مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) بدور محوري من خلال دعم الحوار السياساتي، والتنسيق الإقليمي، وتقديم المساعدة الفنية التي تسهم في تحويل أهداف الاستدامة إلى نماذج أعمال دائرية قابلة للتطبيق والتوسع.
السياسات العامة كممكنات لريادة الأعمال الدائرية
برزت السياسات العامة في المنطقة العربية كعامل حاسم في تحديد نجاح المشروعات المستدامة والدائرية. فالأطر التنظيمية، وهياكل الحوافز، والتنسيق المؤسسي، تحدد قدرة رواد الأعمال على العمل في أسواق رسمية، والوصول إلى الموارد، وتوسيع نطاق الحلول المبتكرة. ورغم أن تطوير استراتيجيات الدائرية يشهد تقدمًا، فإنه لا يزال غير متكافئ؛ إذ تعترف معظم الدول بمبادئ الاقتصاد الدائري ضمن رؤاها الوطنية (مثل الإمارات ومصر والسعودية)، ومساهماتها المحددة وطنيًا وخططها القطاعية (مثل المغرب وتونس)، إلا أن العديد منها لا يزال ينتقل من نوايا سياساتية عامة إلى خرائط طريق تشغيلية واضحة تتضمن أهدافًا محددة، وحوافز، وآليات تنفيذ ورصد، مما يؤدي إلى تقدم متباين بين القطاعات والدول (الإسكوا، 2023).
وقد دعم سيداري باستمرار الحكومات في تعزيز هذه البيئات الممكنة من خلال تقديم الخبرة الفنية، وتيسير الحوار بين أصحاب المصلحة، وتعزيز اتساق السياسات عبر القطاعات. ويتجلى دور السياسة في تمكين ريادة الأعمال الدائرية بوضوح في قطاع النفايات الإلكترونية في مصر. فمن خلال برنامج الصناعات المستدامة لإعادة التدوير (SRI)، الذي نُفذ بالتعاون مع الجهات الوطنية وشركاء دوليين، تم دعم إصلاحات سياساتية اعترفت رسميًا بالنفايات الإلكترونية كمجرى نفايات منظم بموجب قانون إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية. وقد أرست هذه الإصلاحات الأساس لنظام منظم لإدارة النفايات الإلكترونية قائم على مسؤولية المنتج الممتدة (EPR)، ما نقل المسؤولية إلى المراحل الأولية لسلسلة القيمة وخلق فرص جديدة للشركات المرخصة في مجال إعادة التدوير. ويعكس انخراط سيداري في هذه العمليات السياساتية ولايته الأوسع في تعزيز أطر الحوكمة الداعمة لتنمية الأعمال المستدامة في المنطقة.
تعزيز آليات الدعم للمشروعات المستدامة
لا تكفي الأطر السياساتية وحدها دون آليات دعم مكملة تساعد المشروعات على التعامل مع التحديات التقنية والتنظيمية والسوقية. ويُعد بناء القدرات، ووضع المعايير، وخدمات تطوير الأعمال عناصر أساسية للانتقال بريادة الأعمال الدائرية من الفكرة إلى التنفيذ (GIZ، 2023). وقد أسهم سيداري في تصميم وتنفيذ مثل هذه الآليات بالتعاون الوثيق مع المؤسسات العامة ومراكز البحث والقطاع الخاص.
ففي إطار برنامج SRI، ساعد الدعم الموجه في وضع معايير فنية لإعادة التدوير السليمة بيئيًا، وتطوير أطر للتدقيق والشهادات، وبناء القدرات المؤسسية داخل الوزارات المعنية. وأسهمت هذه التدخلات في النمو السريع لقطاع إعادة تدوير النفايات الإلكترونية الرسمي في مصر، الذي توسع من شركة مرخصة واحدة في عام 2016 إلى أكثر من 27 كيانًا رسميًا بحلول عام 2024. كما دعمت حاضنات الأعمال، مثل برنامج “E-Khorda”، رواد الأعمال من خلال التدريب والمساعدة الفنية والإرشاد الإداري، مما أظهر كيف يمكن للدعم العام المنسق أن يحفز نظمًا بيئية دائرية متكاملة للأعمال.
وعلى الصعيد الإقليمي، يركز عمل سيداري على تبادل المعرفة وتكرار الممارسات الجيدة. وتبرز مشروعات مثل “Waste2Fashion”، الذي يعزز نظم النسيج الدائرية في منطقة البحر المتوسط، أهمية التعاون العابر للحدود، وتكامل سلاسل القيمة، ومواءمة السياسات في تمكين ريادة الأعمال المستدامة خارج حدود القطاعات أو الدول الفردية.
الوصول إلى الاستثمار والاستدامة المالية
يظل الوصول إلى التمويل الملائم أحد أكثر العوائق استمرارًا أمام المشروعات الخضراء والاجتماعية في المنطقة العربية (الإسكوا، 2023). إذ غالبًا ما تتطلب نماذج الأعمال الدائرية استثمارات أولية أعلى، وفترات استرداد أطول، وبنية تحتية متخصصة، مما يجعلها أقل جاذبية لآليات التمويل التقليدية. ومن ثم، تلعب السياسات العامة وآليات الدعم دورًا حاسمًا في تقليل المخاطر الاستثمارية وخلق مسارات تمويل مستدامة.
وقد دعم سيداري الجهود الرامية إلى ربط الأدوات السياساتية بالاستدامة المالية، خاصة من خلال نماذج التمويل القائمة على مسؤولية المنتج الممتدة (EPR). ففي قطاع النفايات الإلكترونية، أظهر تطوير هياكل رسوم الـEPR وخطط التنفيذ ضمن برنامج SRI كيف يمكن لآليات التمويل المدفوعة بالسياسات أن تولد تدفقات إيرادات متوقعة لدعم عمليات إعادة التدوير وأنظمة الامتثال والضمانات البيئية. ولا تحسن هذه النماذج النتائج البيئية فحسب، بل تعزز أيضًا الجدوى المالية للمشروعات الدائرية، ما يجعلها أكثر جذبًا للمستثمرين.
وعلى المستوى الإقليمي، يواصل سيداري الدعوة إلى اعتماد آليات التمويل المختلط، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والصناديق الدوارة، والحوافز السياساتية التي تشجع الاستثمار في المشروعات الخضراء والاجتماعية، لا سيما تلك المتوافقة مع استراتيجيات المناخ والاقتصاد الدائري الوطنية.
النوع الاجتماعي والشمول في تنمية الأعمال المستدامة
تُعد ريادة الأعمال الشاملة ضرورية لضمان توزيع منافع التنمية المستدامة على نطاق واسع. ولا تزال النساء والشباب ممثلين تمثيلًا ناقصًا في العديد من القطاعات الخضراء والدائرية، غالبًا بسبب عوائق هيكلية تتعلق بالوصول إلى التمويل والمهارات والأسواق. ومن ثم، فإن دمج اعتبارات النوع الاجتماعي الحساسة والمستجيبة والتحويلية في السياسات العامة وآليات الدعم يعد أمرًا أساسيًا لإطلاق الإمكانات الكاملة لريادة الأعمال المستدامة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2024).
ومن خلال مشروعاته ومشاركته السياساتية، يعزز سيداري نهجًا شموليًا يدمج اعتبارات النوع الاجتماعي في برامج بناء القدرات، ودعم ريادة الأعمال، وإشراك أصحاب المصلحة. وفي قطاعات مثل إدارة النفايات والمنسوجات المستدامة، أظهرت برامج التدريب الموجهة، ومسارات التعليم، والنماذج المجتمعية إمكانات لزيادة مشاركة النساء عبر سلاسل القيمة، خاصة في مجالات إعادة الاستخدام والإصلاح وإعادة التدوير. ويعزز تقوية هذه الأبعاد الشمولية ليس فقط النتائج الاجتماعية، بل أيضًا قدرة نظم الأعمال الدائرية على الصمود والابتكار.
الخاتمة وآفاق المستقبل
من المتوقع أن تستمر البيئة الممكنة لريادة الأعمال المستدامة والدائرية في المنطقة العربية في التطور، مدعومة بتزايد مواءمة السياسات مع مبادئ الاقتصاد الدائري، والتزامات العمل المناخي، واستراتيجيات النمو الأخضر. ومع نضج الأطر التنظيمية، ستظهر فرص جديدة لتوسيع نماذج الأعمال الدائرية، خاصة في مجالات إدارة النفايات، وإعادة التدوير، والتصنيع المستدام، والحلول الرقمية الكفؤة في استخدام الموارد. وفي الوقت ذاته، ستظل هناك تحديات ينبغي معالجتها، من بينها التفاوت في تنفيذ السياسات بين الدول، ومحدودية الوصول إلى آليات دعم ملائمة للمشروعات الناشئة، والحاجة إلى دمج الفاعلين غير الرسميين في سلاسل القيمة الدائرية الرسمية.
وسيكون التغلب على هذه العوائق ضروريًا لإطلاق المنافع البيئية والاجتماعية والاقتصادية طويلة الأجل، وضمان أن تصبح ريادة الأعمال المستدامة ركيزة أساسية للتنمية الشاملة والمرنة في المنطقة. ومن خلال دعم الحوار السياساتي، والتنسيق الإقليمي، وتقديم المساعدة الفنية، يواصل سيداري أداء دور استراتيجي في تمكين هذه التحولات. ومع سعي دول المنطقة إلى توسيع نطاق ريادة الأعمال المستدامة، سيظل تعزيز اتساق السياسات، وتوسيع الوصول إلى الاستثمار، وترسيخ الشمول ضمن آليات الدعم، أولويات حاسمة لبناء اقتصادات مرنة وتنافسية وموجهة نحو المستقبل.