فيما يعكس تأثير مباشر للاتجاه المتنامي لدى الإدارة الأمريكية لطمس علوم المناخ في الخطاب العام، أصدرت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) أحدث بياناتها المتعلقة بدرجات الحرارة العالمية “يناير “2026، إلا أن البيان الرسمي خلا بشكل لافت من أي إشارة إلى “تغيّر المناخ” أو “الانبعاثات” أو “الاحتباس الحراري”، وهو ما يمثل تناقضًا واضح عن الإصدارات السابقة التي ربطت صراحة بين ارتفاع درجات الحرارة والنشاط البشري وانبعاثات غازات الدفيئة (يورونيوز، 2026). وبالرغم من أن وكاله الفضاء أكدت استمرار ارتفاع متوسط درجة حرارة سطح الأرض، مع تسجيل عام 2024 كأكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، بزيادة تقارب 1.47 درجة مئوية مقارنة بمتوسط فترة ما قبل الثورة الصناعية (1850–1900). إلا أن الحذف المتعمد للغة علوم المناخ في بيانها ينذر ببداية لتقويض التزامات الدول المتقدمة بموجب الاتفاقيات المناخية الدولية، وإعاقة تخطيط التكيّف في الدول النامية الأكثر هشاشة. ويتجلى هذا التوجه من خلال ما يلي:
- إعادة العالم إلى حقبة إنكار تغيّر المناخ، حيث باتت التقارير المناخية الأمريكية تعرض بيانات الاحترار مع قدر ضئيل أو معدوم من تفسير أسبابه، بما يعكس توجهاً حكومياً أوسع لتجنّب مصطلحات تغيّر المناخ (يورونيوز، 2026).
- إضعاف لغة الخطاب المناخي العالمي وعلوم المناخ خاصة في ظل تخفيفه أو تهميشه في الخطاب العام الأمريكي بما يُطبع الغموض المناخي العلمي وهو ما سيؤثر على سد الفجوة التمويلة لعمليات التكيف والتخفيف، ويفتح الباب أمام الدول المتقدمة ودول النفط لإضعاف المساءلة المناخية بالرغم من الإجماع العلمي الواسع، بما في ذلك تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) وهيئة الأرصاد الجوية البريطانية، الذي يؤكد أن النشاط البشري هو المحرك الرئيسي لتغيّر المناخ (GovFacts، 2025).
- تحولات موازية في سياسات الدول المناخية وتحولها الطاقي في ظل انسحاب الولايات المتحدة من أطر مناخية دولية وآليات تمويل المناخ، وهو ما سيؤدي إلي تراجع أوسع قد يضعف الالتزامات الجماعية للتخفيف والتكيّف (الغارديان، 2025).
في ظل الضغوط السياسية والتمويلية التي تمارسها الولايات المتحدة للتقليل والتهميش من شأن النتائج العلمية المناخية فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تآكل الخطاب المناخي العالمي وعدم الالتزام بآليات المساءلة، مثل المساهمات المحددة وطنياً (NDCs) وتمويل التكيّف، ويخفف الضغط على الدول المتقدمة للوفاء بالتزاماتها في مجال التخفيف.
اقليميًا وعربيًا:
يرجح أن تعمل المنظمات الإقليمية والدولية العاملة في مجال تغيّر المناخ، مثل مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) لمواجهة هذا التهديد، من خلال حماية النشر المستقل لبيانات المناخ، وتعزيز التأطير العلمي في التقارير الدولية (UNFCCC/IPCC)، ودعم الدول النامية في الوصول إلى أدلة مناخية موثوقة لتخطيط التكيّف، بما يضمن ألا تؤدي التحولات السياسية إلى إسكات العلم المناخي الحاسم.