يمثل قرار الولايات المتحدة الانسحاب من 66 منظمة دولية، من بينها 31 كيانًا تابعًا للأمم المتحدة، تحديات كبيرة لكل من أوروبا والمنطقة العربية (البيت الأبيض، 2025). وذكرت صحيفة واشنطن بوست في 7 يناير 2026 أن هذا القرار يأتي في إطار حماية السيادة الأمريكية وإعادة توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية. ورغم أن هذا التوجه يعكس تحولًا في السياسة الداخلية الأمريكية، إلا أن له آثارًا مباشرة على المبادرات الدولية والإقليمية المعنية بالمناخ والبيئة والتنمية، والتي اعتمدت تاريخيًا على التمويل الأمريكي والخبرة الفنية والدور القيادي للولايات المتحدة. ويتضح ذلك من خلال الأدلة التالية:
- نقص التمويل لبرامج المناخ والبيئة:
لطالما كانت الولايات المتحدة من كبار المساهمين الماليين في وكالات الأمم المتحدة والصناديق متعددة الأطراف الداعمة لبرامج التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، والطاقة المتجددة، وحماية التنوع البيولوجي، وإدارة الموارد المائية، والزراعة المستدامة. ومن المتوقع أن يؤدي انسحابها من عدد من الكيانات الدولية إلى فجوات تمويلية فورية، لا سيما في الدول الأكثر هشاشة مناخيًا في المنطقة العربية وبعض أجزاء أوروبا التي تعتمد على التمويل الدولي للمناخ والدعم الفني (البيت الأبيض، 2025؛ البنك الدولي، 2022؛ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2023). - تأخر وتراجع نطاق التدخلات الإنسانية والتنموية:
أظهر تقليص التمويل الأمريكي السابق للمنظمات الدولية آثارًا تشغيلية ملموسة، شملت تأخر تنفيذ المشاريع، وتقليص حجم العمليات الميدانية، وتراجع التغطية الجغرافية. وبناءً عليه، من المرجح أن تواجه البرامج الإنسانية والتنموية التي تعالج قضايا الأمن الغذائي، وندرة المياه، وسبل العيش، وبناء القدرة على الصمود في السياقات الهشة بالمنطقة العربية والمناطق الأوروبية المجاورة قيودًا في التنفيذ وتراجعًا في الأثر (رويترز، 2025؛ منظمة العفو الدولية، 2026). - إضعاف التنسيق متعدد الأطراف بشأن القضايا العابرة للحدود:
يتطلب التعامل الفعّال مع التحديات البيئية العابرة للحدود—مثل الموارد المائية المشتركة، وحماية النظم البيئية، والتنمية الحضرية القادرة على التكيف مع المناخ، وإدارة مخاطر المناخ على المستوى الإقليمي—تنسيقًا قويًا متعدد الأطراف وأطر حوكمة مشتركة. ويؤدي تراجع المشاركة الأمريكية في الهيئات الدولية المعنية بالبيئة والتنمية إلى إضعاف عمليات صنع القرار الجماعي، والتعاون العلمي، والاستجابات الإقليمية المنسقة، لا سيما في إطار منصات التعاون بين أوروبا والمنطقة العربية (اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2023؛ لوموند، 2026).
ومن خلال اتخاذ إجراءات إقليمية استباقية، يمكن لأوروبا والعالم العربي التخفيف من آثار الانسحاب الأمريكي، وضمان استمرارية البرامج ذات الأولوية، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة حالة عدم اليقين المرتبطة بالتمويل العالمي. ويشمل ذلك تعزيز آليات التمويل الإقليمي ومتعدد الأطراف، وتوسيع الشراكات مع منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات البحثية، والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز منصات تبادل المعرفة. كما يظل الانخراط الفاعل في أطر الأمم المتحدة والشراكات الأوروبية-العربية أمرًا أساسيًا للحفاظ على الزخم الاستراتيجي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وصون المكاسب البيئية والتنموية رغم تراجع الدور الأمريكي.