الملخص التنفيذي
تُعدّ آلية تعديل حدود الكربون التي أقرّها الاتحاد الأوروبي (CBAM) واحدة من أكثر السياسات التجارية تأثيرًا على المستوى العالمي، إذ تربط بين العمل المناخي والتجارة الدولية بهدف منع تسرّب الكربون. وبالنسبة للدول العربية التي تعتمد صناعاتها وقطاعاتها التصديرية على الطاقة كثيفة الكربون والوقود الأحفوري، مثل الألمنيوم والصلب والأسمدة، فإن التداعيات الاقتصادية قد تكون كبيرة.
اعتبارًا من عام 2026، ستخضع صادرات الدول العربية إلى الاتحاد الأوروبي لتكاليف كربونية مرتفعة، تُقدَّر بما بين 70 و95 يورو للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لنظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS). وفي حال عدم تنفيذ إصلاحات محلية لخفض الانبعاثات وتطبيق تدابير فعّالة لإزالة الكربون، ستتراجع القدرة التنافسية للمنتجات العربية في السوق الأوروبية.
ولا تقتصر تداعيات CBAM على الجانب الاقتصادي فحسب، بل إنها تعيد تشكيل الاستراتيجيات التفاوضية العربية. ففرض الآلية دون توفير دعم تكنولوجي ومالي يتجاهل مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة» المعتمد في العمل المناخي الدولي. ومن هذا المنطلق، تعتمد الدول العربية نهجًا براغماتيًا يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورة تسريع جهود إزالة الكربون. وتُدرك دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمغرب آلية CBAM بوصفها محفزًا للتحول الصناعي وفرصة لجذب الاستثمارات في الأسواق منخفضة الكربون.
ويؤكد هذا التقرير أن آلية CBAM تمارس ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا على الدول العربية، إذ لا تعمل فقط كأداة مناخية، بل أيضًا كحاجز تجاري محتمل قد يقيّد الصادرات العربية ويعزّز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. واستجابةً لذلك، تعتمد الدول العربية استراتيجية مزدوجة المسار، تجمع بين الانخراط العملي في هيكل التعرفة الكربونية، والمطالبة بالدعم الدولي والاعتراف بجهودها المحلية في التخفيف، بما في ذلك الدعم الفني لنظم القياس والإبلاغ والتحقق (MRV) وتمويل التقنيات الخضراء. كما تدفع CBAM الدول العربية إلى تسريع تنفيذ مساهماتها المحددة وطنيًا (NDCs)، واستكشاف آليات تسعير الكربون، والنظر في إنشاء نظم وطنية لتداول الانبعاثات كإجراءات دفاعية اقتصادية، مع التأكيد على أهمية تبنّي موقف عربي موحّد لتعزيز الفاعلية الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.
المقدمة
تمثل آلية تعديل حدود الكربون التي أقرها الاتحاد الأوروبي نقطة تحوّل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية العالمية. ففي إطار حزمة «الجاهزية لـ 55»، اعتمد الاتحاد الأوروبي مجموعة تشريعات تهدف إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة لا تقل عن 55% بحلول عام 2030 مقارنة بعام 1990، وفرض لأول مرة تعرفة/ضريبة قائمة على الكربون على واردات مختارة تشمل الألمنيوم، الأسمنت، الكهرباء، الهيدروجين، والصلب، استنادًا إلى الانبعاثات الكامنة فيها(European Commission, 2023) . وتهدف هذه الآلية إلى مواءمة تكلفة الكربون للسلع المستوردة مع التسعير الداخلي للكربون في الاتحاد الأوروبي، بما يمنع تسرّب الكربون ويعزّز الحوافز العالمية لإزالة الكربون (Zachman et al., 2020). وعلى الرغم من التأثيرات العالمية الواسعة لهذه السياسة، فإن العالم العربي يُعد من أكثر المناطق عرضةً لتداعياتها الاقتصادية.
يتزامن تطبيق CBAM مع مرحلة انتقالية حرجة تمر بها الاقتصادات العربية. فبينما بدأت بعض الدول العربية بتطوير أسواق كربون طوعية، لا تزال اقتصاداتها تعتمد بشكل كبير على صادرات كثيفة الكربون (International Energy Agency, 2023). فعلى سبيل المثال، ينبعث من صناعة الألمنيوم في دول مجلس التعاون الخليجي ما بين 12 و16 طنًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الألمنيوم الأولي، مقارنة بمتوسط يتراوح بين 6 و8 أطنان في الاتحاد الأوروبي (Arab Monetary Fund, 2023). ويُضاف إلى ذلك غياب آليات تسعير الكربون المحلية في معظم الدول العربية، مما يجعل صادراتها غير متوافقة هيكليًا مع السياسة التجارية المناخية للاتحاد الأوروبي.
ونتيجةً لذلك، يشكّل القانون الجديد لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) مخاطر اقتصادية ملموسة، ولا سيما على أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، وهم: المغرب، ومصر، والأردن، وتونس، ودولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الوقت الذي تعمل فيه الدول العربية على رفع مستوى الطموح في النسخة المحدّثة من مساهماتها المحددة وطنيًا (NDC 3.0)، من خلال تعزيز أدوات القياس والإبلاغ والتحقق (MRV)، وتطوير الأطر المؤسسية، وتبنّي نُهج غير سوقية للتخفيف من الانبعاثات، فإن آلية CBAM لا تعمل كتعرفة تجارية فحسب، بل تؤدي أيضًا دور آلية تنفيذية، تُسهم في تسريع الإصلاحات الصناعية وتفرض ضغوطًا اقتصادية كبيرة على الاقتصادات العربية.
الحقائق والأرقام
الجدول الزمني ونطاق تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)

توقعات أسعار الكربون في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS)
يشكّل سعر تصاريح الانبعاثات في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي مرجعًا أساسيًا يحدّد بشكل غير مباشر الأثر المالي لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) (European Commission, 2023). ورغم أن تكلفة شهادات CBAM تُحتسب مباشرةً استنادًا إلى متوسط سعر المزادات الأسبوعية في نظام ETS، فإن إشارة سعر ETS الأوسع تمارس تأثيرًا استراتيجيًا أعمق (Zhou & Wang, 2023) . فارتفاع وتقلب أسعار ETS يزيد من الالتزامات الكربونية على المنتجين من خارج الاتحاد الأوروبي، ويعزز الضغوط التنافسية على المصدّرين من الدول التي لا تطبق تسعيرًا مماثلًا للكربون. كما يبعث مسار أسعار ETS بإشارة واضحة حول التوقعات طويلة الأجل لتكلفة الكربون في الاتحاد الأوروبي، ما يؤثر في قرارات الاستثمار العالمية في التقنيات النظيفة والإنتاج منخفض الكربون (World Bank, 2023) .
وتُقدَّر أسعار الكربون في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS) وتوقعاتها على النحو التالي:
- وفقًا للمفوضية الأوروبية (2024)، يتراوح سعر الكربون في نظام EU ETS لعام 2024 بين 60 و85 يورو للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون.
- ووفقًا لتقديرات محللي صندوق النقد الدولي (2024)، من المتوقع أن يتراوح سعر الكربون في نظام EU ETS بحلول عام 2030 بين 70 و95 يورو للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون، مع الإشارة إلى أن هذه الأسعار قد ترتفع أو تنخفض عن هذا النطاق تبعًا لظروف سوق الكربون وتقلباته.
التجارة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي
- يحتل الاتحاد الأوروبي مرتبة ضمن أكبر ثلاثة أسواق تصديرية لكل من المغرب، وتونس، والأردن، ومصر، والبحرين، والجزائر، مما يعكس درجة عالية من الاعتماد الاقتصادي على السوق الأوروبية.
- يصدّر المغرب ما يزيد على مليار دولار أمريكي سنويًا من الأسمدة إلى الاتحاد الأوروبي.
- تشكّل صادرات الألمنيوم من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وقطر) إلى الاتحاد الأوروبي نحو 10% من إجمالي التجارة العالمية للألمنيوم.
جاهزية الدول العربية (وفقًا للنسخة المحدّثة من المساهمات المحددة وطنيًا NDC 3.0)
- تشهد دول مجلس التعاون الخليجي حاليًا تطوير نظم لتداول الانبعاثا (ETS) (البنك الدولي، 2024).
- من المتوقع أن تبدأ كل من مصر والأردن قريبًا تجارب أولية لأسواق الكربون في إطار أنشطتهما ذات الصلة بأسواق الأوراق المالية.
- لا تزال نظم القياس والإبلاغ والتحقق (MRV) مجزأة في معظم الدول العربية، مع تسجيل دولة الإمارات العربية المتحدة أفضل مستوى جاهزية بين دول المنطقة.
- ووفقًا لتقرير المساهمات المحددة وطنيًا الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، فإن نحو 60% من المساهمات العربية تفتقر إلى مسارات تفصيلية للتخفيف الصناعي (UNFCCC, 2023).
- وعلى الرغم من أن المساهمات المحددة وطنيًا للدول العربية تتسم بمستويات طموح مرتفعة، فإن هناك تشككًا بشأن القدرة على ترجمة هذا الطموح إلى نتائج قابلة للقياس والتحقق.
- وتوجد مخاطر ملموسة تهدد أحجام الصادرات في الدول العربية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 15% و30% من حجم الصادرات قد يصبح غير قابل للاستمرار اقتصاديًا في حال عدم تنفيذ إصلاحات متعلقة بنظم تداول الانبعاثات (صندوق النقد الدولي، 2023).
- وخلال المرحلة التجريبية لتنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا، أشار القطاع الخاص في الدول العربية إلى تعقيد الالتزامات التنظيمية المرتبطة بهذه النظم، حيث أفادت الشركات التي تدير سلاسل إمداد متعددة المستويات بوجود صعوبات خاصة في تحقيق الشفافية في نظم القياس والإبلاغ والتحقق (MRV)، وهو عنصر حاسم لمعالجة ظاهرة تسرّب الكربون.
تحليل كيفية فرض آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) واقعًا اقتصاديًا عربيًا جديدًا
آلية تعديل حدود الكربون ( (CBAM: الميزة التنافسية العربية في خطر
تشكل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) تهديدًا جسيمًا للقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري، إذ تؤدي إلى تقويض قدرتها التنافسية القائمة على انخفاض التكلفة. وتتمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية لدى معظم المنتجين العرب في غياب البدائل منخفضة الكربون المعتمدة، أو في نقص المعرفة الفنية اللازمة لقياس الانبعاثات بصورة دقيقة وموثوقة.
وتفرض آلية CBAM تحديًا واسع النطاق على القطاعات الصناعية الرئيسية في مختلف أنحاء العالم العربي، بما يهدد بتآكل المزايا التنافسية التي ترسخت على مدى عقود. ففي قطاع الألمنيوم، الذي تسهم فيه دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مجتمعتين بما يقارب 10% من إجمالي التجارة العالمية، لا يزال الاعتماد على الطاقة منخفضة التكلفة المولّدة من الوقود الأحفوري سائدًا، رغم الريادة الإقليمية لدولة الإمارات في تنويع مزيج الطاقة. ويعني هذا الاعتماد أن كلا البلدين سيتأثران بشكل ملحوظ، مع توقع زيادة في التكاليف تتراوح بين 8% و15% في حال عدم الإسراع في تنفيذ إجراءات إزالة الكربون (البنك الدولي، 2025).
ولا يقتصر هذا التحدي على قطاع الألمنيوم فحسب، إذ يتعرض قطاع الأسمدة في الدول العربية لضغوط متزايدة. فالمنتجون في المغرب ومصر، الذين لا يزالون يعتمدون إلى حد كبير على الأساليب التقليدية، يجدون أنفسهم في وضع تنافسي أضعف مع انتقال نظرائهم في الاتحاد الأوروبي إلى استخدام الأمونيا الخضراء (البنك الدولي، 2025). وللحفاظ على قدرتهم على الاستمرار، يتعين على هؤلاء المنتجين التحول العاجل في مدخلات الإنتاج، أو مواجهة خطر التراجع عن سلاسل القيمة العالمية. وبالمثل، تواجه صناعات الصلب والأسمنت تهديدًا مباشرًا لقدرتها التنافسية السعرية، إذ ستعيد آلية CBAM تشكيل هيكل السوق، ما يجعل المنتجات العربية أقل تنافسية مقارنة بالواردات التركية والأوروبية، وربما الواردات الهندية الأقل تكلفة.
وعلى امتداد هذه القطاعات كافة، تتفاقم المخاطر بفعل نقطة ضعف مشتركة، تتمثل في افتقار العديد من المنتجين إلى بدائل منخفضة الكربون معتمدة، أو إلى الخبرات الفنية اللازمة لقياس الانبعاثات بدقة، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص للأعباء المالية التي تفرضها الآلية. وفي غياب تحول سريع واستراتيجي نحو أنماط إنتاج أكثر استدامة، يواجه أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الإقليمي العربي خطر تراجع قدرته التنافسية على المدى المتوسط والطويل.
آلية تعديل حدود الكربون ( (CBAM كآلية فرض
تبرز آلية تعديل حدود الكربون التي أقرّها الاتحاد الأوروبي (CBAM) بوصفها محفّزًا خارجيًا قويًا يُحدث تحوّلًا جوهريًا في الاقتصادات العربية. فهي تتجاوز كونها تعرفة تجارية بسيطة، لتُمثّل قوة هيكلية تدفع باتجاه إصلاح السياسات الإقليمية، من خلال تحويل تبنّي تسعير الكربون إلى أولوية مالية ملحّة للمرة الأولى. وقد أسهم ذلك في تسريع تحوّل محوري داخل المنطقة، ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالهيدروكربونات، التي باتت تُسارع إلى تطوير نظم وطنية لتداول الانبعاثات (ETS). ولا يُنظر إلى هذه النظم باعتبارها أدوات امتثال فحسب، بل كآليات استراتيجية لتوليد الإيرادات اللازمة لتمويل التحول الأخضر، شريطة تخصيص هذه الموارد بشكل صارم لمشروعات خضراء مستدامة وعدم دمجها في الموازنات العامة.
غير أن عنق زجاجة حرج يهدد بإضعاف هذه الجهود، يتمثل في القصور الواسع في أطر القياس والإبلاغ والتحقق (MRV). فباستثناء ملحوظ يتمثل في دولة الإمارات العربية المتحدة، تفتقر معظم الدول العربية إلى القدرات المؤسسية والأدوات الفنية اللازمة لضمان محاسبة متسقة وشفافة للانبعاثات. وعلى الرغم من أن المساهمات المحددة وطنيًا في نسختها المحدّثة (NDC 3.0) المقدّمة من دول محورية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب تُظهر مستوى أعلى من الطموح، فإن ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات قابلة للتحقق تتطلب استثمارات وطنية واسعة النطاق في البنية التحتية للرصد، وتعزيز الأطر المؤسسية (اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، 2024).
وفي المحصلة، يتمثل الأثر الأكثر مباشرة لآلية CBAM على المستوى الصناعي، حيث تدفع المنتجين العرب بشكل مباشر نحو مسارات إنتاج أكثر استدامة. فمن الصناعات البتروكيميائية إلى صناعة الصلب، تفرض الآلية مراجعة تكنولوجية عميقة، وتحفّز الاستثمارات في احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)، وتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر، والسعي إلى بدائل أقل كثافة كربونية في عمليات كانت تاريخيًا عالية الانبعاثات (الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، 2022، 2023). ويُسهم هذا الضغط الخارجي في تسريع عملية تحول صناعي ضرورية وإن كانت معقدة، بما يربط مستقبل القدرة التنافسية للصادرات في المنطقة ارتباطًا وثيقًا بمدى نجاحها في تحقيق إزالة الكربون.
تغير الاستراتيجيات التفاوضية العربية
تدفع السياسات الجديدة لآلية تعديل حدود الكربون (CBAM) إلى تحوّل براغماتي في المواقف داخل العالم العربي، بعد عقود من اتخاذ موقف حذر إزاء الإملاءات البيئية الخارجية. وقد استند هذا التحفظ، على نحوٍ مشروع، إلى مبدأ العدالة المناخية، إذ إن العديد من الدول العربية، باعتبارها ذات مسؤولية تاريخية محدودة عن الانبعاثات العالمية التراكمية، نظرت طويلًا إلى السياسات المناخية الصارمة بوصفها عبئًا غير منصف على مساراتها التنموية.
غير أن آلية CBAM جعلت من المواءمة مع المعايير الأوروبية ضرورة اقتصادية. ونتيجة لذلك، تتجه الدول العربية إلى توجيه تحوّلاتها الصناعية عبر استثمارات استراتيجية في التكنولوجيا وتمويل المناخ، مع إعادة تأطير الآلية ليس فقط كأداة جزائية، بل كجزء من التزام أوسع بتمويل العمل المناخي. وفي هذا الإطار، توظّف الدول العربية الامتثال للآلية للمطالبة بنفاذ أوسع إلى التكنولوجيا المتقدمة وآليات التمويل المشترك، بما يمكّنها من بناء سلاسل إمداد أنظف تلبي المتطلبات المتزايدة للسوق الأوروبية.
وعلى نطاق أوسع، تُسهم آلية CBAM في تسريع إعادة توجيه الاستثمارات عالميًا بعيدًا عن المناطق عالية الكثافة الكربونية. وقد يُفضي ذلك، على نحوٍ مفارق، إلى استفادة بعض الدول العربية ذات الهياكل التصديرية الخاصة إلى الاتحاد الأوروبي، من خلال استقطاب رؤوس أموال موجهة نحو التصنيع الأخضر. وفي المحصلة، يفرض العقد المقبل سباقًا حاسمًا، إذ يتعين على الدول العربية تسريع عمليات التصنيع على مسارات تنموية مستدامة، أو مواجهة خطر الإقصاء المتزايد من الأسواق، في ظل موازنة دقيقة بين محدودية المسؤولية التاريخية ومتطلبات التحول العالمي العاجلة نحو اقتصاد منخفض الكربون.
النظرة المستقبلية والتوصيات السياساتية
مع إدخال آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، والتي يُشار إليها بوصفها أول “ضريبة كربون” من نوعها، تصبح كثافة الكربون عاملًا لا يقل أهمية عن تكلفة التجارة وجودة المنتجات، بما يمثّل خطوة أولى نحو التوسّع في اعتماد أنظمة ضريبية أو سياسات مباشرة تستهدف القطاعات ذات الكثافة الكربونية المرتفعة. وتتجاوز آلية CBAM كونها تعرفة تجارية تقليدية، إذ تُنشئ رابطًا هيكليًا بين التجارة والعمل المناخي. ومن خلال الاستجابة باستراتيجية متماسكة، يمكن للدول العربية تحويل هذا التحدي إلى محفّز إيجابي، يعيد تشكيل قدرتها التنافسية الاقتصادية ويعزّز حضورها الدبلوماسي في عصر المناخ.
وتواجه الدول العربية اليوم منعطفًا استراتيجيًا حاسمًا، إذ بات لزامًا عليها إزالة الكربون من قطاعاتها كثيفة الانبعاثات، أو مواجهة خطر الإقصاء التدريجي من الأسواق الرئيسية لصالح منافسين أكثر استدامة. وقد أصبحت هذه الضرورة تعيد رسم ملامح الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية، بحيث لم تعد السياسات المناخية شأنًا هامشيًا، بل غدت عاملًا مركزيًا يحدد النفاذ إلى الأسواق وآفاق النمو المستقبلي. ويتطلب النجاح في هذا السياق نهجًا دقيقًا ومتعدد المسارات، يوظّف المفاوضات لربط التزامات التخفيف بضمانات واضحة لنقل التكنولوجيا والتمويل المشترك، إلى جانب الانخراط الفعّال في أسواق الكربون العالمية لتحويل تكاليف الامتثال إلى فرص اقتصادية.
وقد بدأت بعض الدول العربية السباقة، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة والمغرب، في تبنّي هذا التوجه الاستراتيجي، من خلال تعزيز موقعها كمصدّرين مستقبليين للمنتجات الخضراء، والسعي إلى ترسيخ مزايا طويلة الأجل داخل السوق الأوروبية. وفي المقابل، فإن التأخر في بلورة استراتيجية متكاملة تجمع بين الضغط الدبلوماسي من أجل النفاذ العادل إلى التكنولوجيا، وتطبيق آليات وطنية لتسعير الكربون، ينطوي على مخاطر جسيمة تتمثل في الانفصال التدريجي عن سلاسل الإمداد العالمية المتحوّلة. وفي المحصلة، سيتحدد مسار كل دولة بقدرتها على تحويل إطار CBAM من أداة أحادية الطابع إلى مسار تفاوضي يفتح آفاقًا للاستثمار والابتكار والحفاظ على الاندماج المستدام في الأسواق العالمية.
ولمواجهة التحديات والاستفادة من الفرص التي تتيحها آلية CBAM الأوروبية، يتعين على الدول العربية اعتماد أجندة استراتيجية استباقية ومنسّقة. وفيما يلي مجموعة من التوصيات التي ترسم مسارًا لتحويل CBAM من عبء امتثال إلى محفّز لتحديث صناعي مستدام وتعزيز النفوذ الدبلوماسي:
1. بلورة موقف تفاوضي عربي موحّد
تجاوز الاستجابات الوطنية المتفرقة من خلال تطوير موقف عربي متماسك تجاه آلية CBAM. ويمكن لاستراتيجية موحّدة، تقودها دول مجلس التعاون الخليجي وتدمج شركاء سلاسل الإمداد في المشرق العربي وشمال أفريقيا، أن تعزّز القدرة التفاوضية الجماعية، وأن تُسهم في تمثيل المصالح الإقليمية بفعالية في المحافل الدولية.
2. ربط العمل المناخي بالتمويل العادل ونقل التكنولوجيا
تأطير ضرورة إزالة الكربون ضمن مبدأ العدالة المناخية، من خلال ربط الالتزامات المشروطة للتخفيف بضمانات واضحة للحصول على تمويل المناخ، ونقل التكنولوجيا الخضراء، ودعم بناء القدرات من الاتحاد الأوروبي، باعتبار ذلك مسؤولية مشتركة لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.
3. المطالبة بجداول انتقالية متمايزة للقطاعات الصناعية الحرجة
التفاوض بشأن تدابير انتقالية عملية ومحددة حسب القطاع للصناعات صعبة الخفض، مثل الألمنيوم والصلب والبتروكيماويات، مع اعتماد جداول زمنية مرحلية تراعي التعقيد التقني وكثافة رأس المال، بما يضمن انتقالًا منظمًا يحافظ على الاستقرار الاقتصادي.
4. الإسراع في تطبيق آليات وطنية لتسعير الكربون
تسريع تطوير آليات تسعير الكربون المحلية، بما في ذلك نظم تداول الانبعاثات، وفق ما تنص عليه المساهمات المحددة وطنيًا المقبلة، مع توفير الحوافز والدعم اللازمين لتمكين القطاعات والمؤسسات من التكيّف بفعالية.
5. بناء القدرات المؤسسية في نظم MRV وأسواق الكربون
إعطاء أولوية للاستثمار في بناء القدرات الإقليمية في القياس والإبلاغ والتحقق (MRV) وإدارة نظم تداول الانبعاثات، من خلال تطوير أطر رصد شفافة، وتدريب الكوادر الفنية، وإنشاء مؤسسات تنظيمية موثوقة، بما يشكّل الأساس لأي استراتيجية فعّالة لخفض الانبعاثات والتحقق من التقدم المحرز في إطار CBAM.
المراجع
Arab Monetary Fund. (2023). Industrial competitiveness and export structures in Arab economies. Arab Monetary Fund.
European Commission. (2023). Carbon Border Adjustment Mechanism (CBAM) regulation and guidance documents. https://ec.europa.eu
European Commission. (2024). EU Emissions Trading System (EU ETS): Current rules and market data. https://climate.ec.europa.eu/eu-action/eu-emissions-trading-system-eu-ets_en
European Commission. (2023). Fit for 55: Delivering the EU’s 2030 climate target.
https://commission.europa.eu/strategy-and-policy/priorities-2019-2024/european-green-deal/delivering-european-green-deal_en
International Energy Agency. (2023). Energy technology perspectives 2023: Low-carbon industrial pathways. International Energy Agency.
International Monetary Fund. (2023). Fiscal policies for a low-carbon economy: Carbon pricing, markets, and international coordination. International Monetary Fund.
International Monetary Fund. (2024). Global carbon pricing update 2024.
International Monetary Fund.
International Renewable Energy Agency. (2022). Green hydrogen supply in Africa and the Middle East. International Renewable Energy Agency.
International Renewable Energy Agency. (2023). Renewable energy prospects in the Arab region. International Renewable Energy Agency.
United Nations Framework Convention on Climate Change. (2023). NDC synthesis report 2023. UNFCCC Secretariat.
United Nations Framework Convention on Climate Change. (2024). NDC registry (interim).
UNFCCC Secretariat. https://www4.unfccc.int/sites/NDCStaging/Pages/Home.aspx
World Bank. (2023). State and trends of carbon pricing 2023.
World Bank Group. https://carbonpricingdashboard.worldbank.org
World Bank. (2024). MENA economic update: Green industrial transformation and trade implications. World Bank Group.
World Bank. (2025). Carbon Border Adjustment Mechanism (CBAM) exposure indices methodological note. World Bank Group.
Zachmann, G., Roth, A., & Tamara, S. (2020). Preparing for a carbon border adjustment mechanism. Bruegel Policy Contribution 2020/15. https://www.bruegel.org
Zhou, H., & Wang, S. (2023). Global supply-chain impacts of the EU CBAM: A multi-regional input–output analysis. Journal of Cleaner Production, 421, 134827. https://doi.org/10.1016/j.jclepro.2023.134827