مع تخفيف صياغات “الانتقال من” الوقود الأحفوري إلى تعبيرات مرنة، ينشأ فراغٌ في التنفيذ، اتسع الآن بفعل الانسحاب الأمريكي الفعلي من اتفاق باريس بتاريخ 27 يناير 2026، ما يشجّع صفقات جديدة تحت شعار إعادة الإعمار وأمن الطاقة، خصوصًا في فنزويلا وسوريا (Financial Times، 2026). ويمكن لنهج متوافق مناخيًا أن يملأ هذا الفراغ جزئيًا من خلال إرساء قواعد قابلة للإنفاذ للانبعاثات من المنبع، ومتطلبات الشفافية، وشروط تمويل الانتقال للطاقة النظيفة، لا سيما في البيئات الهشّة وما بعد النزاع مثل سوريا، بهدف الإبقاء على “براميل منخفضة الكربون “، كما يتضح من الآتي:
- نص ما بعد مؤتمر الأطراف الثلاثين يترك هامشًا واسعًا لتوسّع إمدادات النفط عبر تخفيف لغة الغازات الدفيئة (GHG) إلى عبارة “التحوّل بعيدًا عن الوقود الأحفوري”، بما يجعل إشارات العمل المناخي أكثر تساهلًا (IPI Global Observatory، 2026 (.
- تتمّ إعادة الإعمار في سياقات ما بعد النزاع غالبًا عبر الاعتماد على النفط والغاز؛ فمع تضرّر البنية التحتية في سوريا وحدّة الانهيار المالي، تبدو عائدات الهيدروكربونات المسار الأسرع لضخ السيولة. وبذلك تتقدّم أولويات إعادة الإعمار على الاشتراطات المناخية. ويعزّز هذه الفرضية ما يُتداول عن تنامي شراكات خليجية–أمريكية في شمال شرق سوريا، حيث يُفاد بمشاركة شركتَي ACWA Power وTAQA مع شركات أمريكية ودولية أخرى في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، وهو ما يسرّع وتيرة إنتاج النفط ومشتقاته رغم الخطاب العالمي الداعي إلى الانتقال نحو الطاقة النظيفة (Reuters، 2026).
- تسريع إنتاج النفط عبر النفوذ السياسي، خاصة في فنزويلا، عندما تولّت الولايات المتحدة في يناير 2026 توجيه نشاط قطاع النفط عبر تراخيص جديدة من الخزانة (OFAC Treasury) التي تتيح للشركات الأمريكية تقديم سلع/خدمات لإنتاج النفط والغاز الفنزويلي (BBC، 2026).
سيبقى إنتاج النفط واقعًا قائمًا لسنوات قادمة، لكن الإشكالية البيئية الأساسية لا تتعلق بوجوده بقدر ما تتعلق بكيفية إنتاجه واستخدامه. وهذا يتطلب اعتماد نهج “المواءمة المناخية”، بحيث يتحوّل السؤال المحوري من: “هل ننتج النفط؟” إلى: “كيف تُدار وتُحكم عملية الإنتاج؟ وكيف تُخفَّض الانبعاثات وتُضبط (الميثان، الحرق، الشفافية، المعايير)؟ وكيف تُدار الإيرادات؟”.
وبناءً عليه، ينبغي للدول العربية المستثمرة في سوريا الدفع نحو ضوابط صارمة للانبعاثات، وتطبيق أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق (MRV)، مع ضمان تخصيص جزء من العائدات لتمويل الطاقة المتجددة، وتحديث الشبكات، ورفع كفاءة الطاقة. كما يُستحسن توحيد معايير مشتريات “البرميل منخفض الانبعاثات” عبر الصناديق السيادية، بحيث يصبح تمويل إعادة الإعمار جسرًا نحو الانتقال الطاقي لا عاملًا يمدّد الاعتماد على الكربون لعقدٍ إضافي.
بهذا المعنى، لا يكون الأثر المناخي نتيجة حتمية لمجرد وجود النفط، بل يتحدد عبر الحوكمة والتكنولوجيا والقرارات الجيوسياسية.