Home » الغرق في الديون: حول تمويل المناخ في المنطقة العربية

الغرق في الديون: حول تمويل المناخ في المنطقة العربية

by CEDARE Team

تجد المنطقة العربية نفسها على خط المواجهة لأزمة المناخ. تتوقع سيناريوهات الانبعاثات أن يرتفع متوسط درجات الحرارة بما يتراوح بين 3.3 و5.7 درجة مئوية قبل نهاية القرن، الأمر الذي يهدد إمدادات المياه، والأمن الغذائي، والنظم البيئية بأكملها (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ٢٠٢٣).

لقد أصبح الوضع العالمي أكثر إلحاحًا لاتخاذ إجراءات مناخية حاسمة من أي وقت مضى. فنظرة فاحصة على البيانات تكشف عن مفارقة خطيرة: فـ”شريان الحياة” المالي الذي يتم تقديمه غالبًا ما يكون مرساة، تجر المنطقة إلى أعماق الديون وبعيداً عن القدرة الحقيقية على الصمود. وفيما يلي بعض الحقائق الجوهرية حول نموذج تمويل لا يعاني من مشكلات فحسب، بل قد يُتهم بتقويض قدرة المنطقة على النجاة من الأزمة المناخية القادمة.

حل مناخي أم فخ مناخي

عندما نفكر في التمويل المناخي، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن المنح والمساعدات، لكن يبدو الواقع مختلفًا بصورة كلية. فبين عامي ٢٠١٠ و٢٠٢٠، تلقت المنطقة العربية تمويلًا في صورة قروض تفوق سبعة أضعاف التمويل الممنوح بأي صورة أخرى (أكثر من ٤ مليارات دولار) (الإسكوا ٢٠٢٢). لذا فيرى البعض أن مصطلح “التمويل المناخي” نفسه مضلل؛ إذ يعرض صورة مساعدة خيرية، تخفي واقعًا وظيفيًا أقرب إلى الإقراض عالي الفائدة للبنى التحتية في دولنا العربية.

مما يزيد الأمور سوءًا، أنه في عام ٢٠١٩، بلغت القروض غير الميسرة نسبة ٧٥٪ من تدفقات التمويل المناخي العام؛ وهي القروض التي تحمل شروطًا ذات سعر فائدة سوقي أقل تفضيلًا (الإسكوا ٢٠٢٢). لذا نجد أن هذا النموذج يحول المخاطر المالية الهائلة للأزمة المناخية العالمية إلى الدول الأقل مسؤولية عن التسبب فيها والأقل قدرة على تحملها، مما يحاصرها في خيار عسير بين الاستقرار الاقتصادي وقدرة البيئة على الصمود.

نظام مصمم لئلا يدعم الأكثر هشاشة

إن هذا النموذج القائم على الديون يخلق تأثيرًا متسلسلًا مدمرًا؛ حيث يعمل بشكل منهجي على توجيه الأموال بعيدًا عن الدول الأكثر هشاشة. فبدلًا من أن تتدفق هذه الأموال إلى الأشد احتياجًا، نجد أن التمويل المناخي مركز بشكل كبير ويتجاوز البلدان التي تقف على حافة الهاوية.

تكشف الإحصاءات عن وجود تفاوت كبير. بين عامي 2010 و2020، توجه ما نسبته 92% من إجمالي التمويل المخصص للمناخ إلى ست دول فقط، هي المغرب ومصر والأردن، وتونس، والعراق، ولبنان. وفي تناقض صارخ، تلقت الدول العربية الست الأقل نموًا، وهي جزر القمر وجيبوتي وموريتانيا والصومال والسودان واليمن مجتمعة 6.6٪ فقط من إجمالي التمويل (الإسكوا 2022 استنادًا إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية).

إن هذه ليست مجرد نتيجة مؤسفة غير محسوبة؛ بل هي سمة من سمات هذا النظام. فالنموذج المتمحور حول المُقرض يفضل البلدان التي تُعتبر أقل خطورة من حيث الاقتراض، والتي لديها القدرة على إدارة ديون معقدة، غالبًا ما يعتمد الحصول عليها على إعداد “دراسات جدوى معقدة” والحصول على “موافقة حكومية”. وهذا يخلق حاجزًا كبيرًا يستبعد بصورة منهجية البلدان الأقل نموًا التي تفتقر أيضًا إلى القدرة التقنية والمالية لوضع مقترحات “جاهزة للاستثمار” التي يطالب بها النظام الحالي، وهو تحد تفاقمه طبيعة متطلبات التقديم والإجراءات. ويزيد من تعقيد هذا الوضع الاعتراف بأن العديد من الدول العربية تواجه تحديات كبيرة في تعزيز مساهماتها المحددة وطنيًا، والتي تنبع من القيود المتعلقة بالموارد المتاحة، والقدرة المالية، والخبرة التقنية – وهي مجالات يمكن أن يكون التمويل المناخي والدعم الدولي مؤثرًا وداعمًا فيها بشكل خاص.

التمويل لا يتوافق مع تحديات البقاء

لقد أعلنت الدول العربية بوضوح أن أولوياتها الأكثر إلحاحًا هي التكيف مع الآثار المباشرة لتغير المناخ، لا سيما في مجالي المياه والزراعة. ومع ذلك، فإن واقع تخصيص الأموال يقدم رواية أخرى لتلك الأولويات. من عام ٢٠١٠ إلى عام ٢٠٢٠، بلغ إجمالي التمويل لمشاريع التخفيف من آثار تغير المناخ، التي تهدف إلى خفض الانبعاثات العالمية على المدى الطويل ٧,٧٥ مليار دولار أمريكي. ويتجلى هذا التفضيل لمشاريع التخفيف بشكل مباشر في القطاعات التي تحصل على التمويل. فقد حصل قطاعا الطاقة والنقل مجتمعين على ٪٤٥ من جميع التمويلات المتعلقة بالمناخ، في حين حصل قطاعا التكيف الحيويان وهما (المياه والزراعة) على ٪٢٢ فقط. ومن الملفت للنظر هو أن ٪٤ فقط تم تخصيصها للحد من مخاطر الكوارث (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ٢٠٢٢).

لماذا هذا التفاوت؟ يمكن ذلك التفاوت في كون الاستثمارات في جاذبية مشاريع التخفيف مثل كفاءة الطاقة، والنقل الكهربائي، والحد من حرق الغاز للقطاع الخاص. ويخلق هذا التفاوت إشكالية كبيرة؛ لأن التمويل يتم توجيهه إلى مشاريع طاقة طويلة الأجل وكثيفة رأس المال وبطبيعة الحال جاذبة للمستثمرين الدوليين، بينما يقلل بشكل منهجي من تمويل الاحتياجات المباشرة للسكان الذين يواجهون نقصًا وشيكًا في المياه والغذاء. ومن الأمثلة القوية على ذلك ما حدث بين عامي ٢٠١٥ و٢٠٢٠، عندما حصل قطاع الطاقة على ضعف الدعم المقدم لقطاع المياه والصرف الصحي، وحوالي خمسة أضعاف الدعم الذي حصل عليه قطاع الزراعة والغابات في البلدان العربية.

دعوة إلى استثمار أذكى وأكثر إنصافًا

الإحصاءات لا تدع مجالًا للتفسيرات. النموذج الحالي للتمويل المناخي في المنطقة العربية يخلق ديونًا، ويفاقم أوجه عدم المساواة، ويفشل في معالجة الاحتياجات الأكثر إلحاحًا على أرض الواقع. إنه نظام مصمم للمُقرضين، وليس لواقع أزمة المناخ.

ولتصحيح هذا المسار، تحتاج الدول العربية إلى إبراز الحاجة الملحة إلى تحول جوهري. وهذا يتطلب أكثر من مجرد إعادة توجيه الأموال؛ إنه يتطلب إصلاحًا منهجيًا شاملًا. وتشمل الخطوات الرئيسية:

  1. بناء القدرات الوطنية لتطوير المشاريع القابلة للتمويل التي تجذب التمويل.
  2. إنشاء أطر قانونية وتنظيمية مواتية لتعبئة الاستثمار الخاص من أجل التكيف.
  3. دمج وإشراك مجموعة أوسع من أصحاب المصلحة – بما في ذلك المجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، والفئات المهمشة – لضمان أن تكون الحلول عادلة وفعالة.
  4. وأخيرًا، يجب على المنطقة وشركائها إعطاء الأولوية لأدوات مبتكرة مثل مبادلات الديون بالمناخ إلى جانب زيادة هائلة في التمويل القائم على المنح والتمويل الميسر.

ومع تسارع أزمة المناخ، هل يمكن للمنطقة وشركائها الدوليين التحول من نموذج التمويل المعيب هذا إلى نموذج يبني قدرة حقيقية على الصمود المستدام قبل فوات الأوان؟

You may also like