عُقد مؤتمر هامبورغ الثالث للاستدامة (HSC 2026) في 29-30 يونيو 2026، بحضور مشاركين من أكثر من 110 دولة لدفع التقدم نحو أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي. وكان أبرز ما شهده المؤتمر هو إطلاق “لجنة الجنوب-الشمال للتنمية”، وهي مبادرة مستقلة جديدة تستلهم نموذج لجنة براندت لعام 1977، وتهدف إلى إعادة التفكير في التعاون الدولي في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد. وامتدت موضوعاته لتشمل الاقتصادات القادرة على الصمود، والتكنولوجيا والمخاطر، والحوكمة متعددة الأطراف، كما شهد المؤتمر إطلاق مبادرات مهمة أخرى، من بينها مقترح إصلاح “الأمم المتحدة 80” المكون من عشر خطوات، ودعوة للعمل بشأن تغذية الأطفال. وكانت الرسالة العامة واضحة: إن تحديات اليوم ليست مبرراً للتراجع عن التعددية، بل هي حافز لإصلاحها وتحويل الطموحات إلى أفعال ملموسة.
بالنسبة للدول النامية، سلط المؤتمر الضوء على العديد من التحديات المستمرة إلى جانب الفرص الناشئة. فعلى صعيد التحديات، أدى ارتفاع أعباء الديون إلى إعاقة الاستثمارات في التحول الأخضر، في حين تواصل المخاطر المتصورة، وليس الأساسيات الاقتصادية، رفع تكاليف الاقتراض في جميع أنحاء القارة، كما تُعقِّد هياكل الدائنين المجزأة وترتيبات الاقتراض المعقدة إدارة الديون والشفافية. كما تم تحديد انعدام الأمن المائي باعتباره قيدًا متزايد الأهمية على التنمية الصناعية، قد يشكل عقبة أمام النمو. غير أن فرصًا كبيرة قد برزت أيضًا. فاللجنة الجنوب-شمالية، التي تضم غالبية من دول الجنوب العالمي، تتيح للدول النامية منصة لتشكيل مستقبل التعاون الدولي، بما يتجاوز العلاقات التقليدية بين المانح والمتلقي نحو ’شراكات بين متساوين’. كما أن الاعتراف المتزايد بإمكانات التجارة بين بلدان الجنوب، والتوسع السريع في تجارة الخدمات الرقمية، وتأكيد إعلان هامبورغ للذكاء الاصطناعي الصادر عن نسخة 2025 على الملكية المحلية وبناء القدرات، كلها مؤشرات على مسارات جديدة للتنمية الشاملة. ومن الجدير بالملاحظة أن المؤتمر شدد على ضرورة النظر إلى الجنوب العالمي ليس فقط كمنطقة تواجه تحديات، بل أيضاً كمصدر للفرص والابتكار والقيادة.
بالنسبة للدول العربية، يقدم مؤتمر هامبورج لعام 2026 العديد من الرؤى الاستراتيجية ذات الصلة بأولوياتها الإقليمية وموقعها العالمي. أولًا، يمثل التركيز على الأمن المائي فرصة للدول العربية التي تعاني من شح المياه لتكون رائدة في مجال تعزيز المرونة المائية والحلول القائمة على الطبيعة، لا سيما في ضوء تركيز المؤتمر على ربط الأمن المائي بتقييمات المخاطر الاقتصادية والمالية. ثانيًا، تشير المناقشات حول الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة إلى أن الدول العربية يمكنها الاستفادة من استثماراتها في البنية الرقمية والتكنولوجيا لتطوير حلول محلية للذكاء الاصطناعي تتماشى مع أولوياتها التنموية. وأخيرًا، تمثل اللجنة الجنوب-شمالية، التي يترأسها مشاركة المستشار الألماني السابق أولاف شولتس والرئيسة السابقة لكوستاريكا، لورا شينشيلا، منتدى مهمًا للدول العربية للتعبير عن وجهات نظرها بشأن إصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، ومعالجة استدامة الديون، والدفع نحو نظام اقتصادي دولي أكثر إنصافًا يعكس الحقائق الجيوسياسية المعاصرة وتطلعات الجنوب العالمي التنموية.