تُعد الزراعة في مصر أحد أهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تسهم بنحو 13.3 % تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر فرص عمل لنحو 20.5% من القوى العاملة طبقا لاخرالاحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ، لكنها في الوقت نفسه تستحوذ على أكثر من 85 % تقريبا من إجمالي استخدامات المياه العذبة. تعتمد مصر بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يوفر أكثر من (55.5 مليار متر مكعب) حوالي 90% من موارد المياه المتجددة، بينما يبلغ إجمالي الموارد المائية المتاحة حوالي 59 مليار متر مكعب سنوياً مقابل طلب يتجاوز تقريبا 110 مليار متر مكعب، ما يعكس فجوة مائية هيكلية يتم التعامل معها عبر إعادة الاستخدام واستيراد الغذاء.
في هذا السياق، تصبح الزراعة الذكية مناخياً أداة استراتيجية لتحقيق التوازن بين تقليل استهلاك المياه لكل وحدة إنتاج، تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، تحسين كفاءة سلاسل القيمة الزراعية. وفي ظل تزايد الضغوط المناخية وندرة الموارد المائية، أصبحت الحاجة ملحة لتبني نموذج الزراعة الذكية مناخياً (Climate Smart Agriculture) كأحد أهم مسارات تعزيز النمو الاقتصادي وضمان الأمن الغذائي.
ويتلخص دورالزراعة الذكية في استخدام التقنيات الحديثة والبيانات لتحسين الانتاج الزراعي وحماية البيئة. وتشير الأدلة الدولية والإقليمية إلى أن تطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخياً يمكن أن يرفع إنتاجية المحاصيل بنسبة تتراوح بين 15% إلى 25% في بعض الأنظمة الزراعية، خاصة عند تحسين إدارة المياه والتربة واستخدام أصناف مقاومة للحرارة والملوحة.
في المقابل، تواجه مصر فجوة استثمارية في التكيف الزراعي مع تغير المناخ، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الدول النامية تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات سنوياً لتمويل التكيف، بينما لا تتجاوز حصة الزراعة في التمويل المناخي الحالي أقل من 5% عالمياً. في الحالة المصرية، تتفاقم هذه الفجوة بسبب ارتفاع تكاليف عناصر الانتاج وتكاليف تحديث نظم الري، حيث ما يزال جزء كبير من الأراضي يعتمد على الري بالغمر، وهو أقل كفاءة بكثير مقارنة بالري الحديث الذي يمكن أن يوفر ما يصل إلى 30–40% من استهلاك المياه. وبالتالي، فإن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في التكلفة، بل في العائد الاقتصادي طويل الأجل الناتج عن تحسين كفاءة الري وتقليل الفاقد في المياه ومدخلات عناصر الانتاج.
يمثل صغار المزارعين (اقل من 5 افدنة) أكثر من 85% من الحيازات الزراعية في مصر، ما يجعلهم الفئة الأكثر تأثراً بتغير المناخ والأكثر أهمية في أي عملية تحول زراعي. ومع ذلك، يظل تبني التكنولوجيا الزراعية الحديثة محدوداً بسبب: 1) ضعف التمويل الزراعي المناسب للمزارع الصغير 2) محدودية الوصول إلى الإرشاد الزراعي الجيد 3) ارتفاع تكلفة اساليب الري الحديثة (ري بالرش، بالتنقيط، ري محوري، الانابيب المبوبة) 4) نقص البيانات المناخية على مستوى المزارع بصورة مستمرة ودقيقة طبقا للموقع الجغرافي.
جدير بالذكر ان التقنيات القابلة للتوسع تشمل أنظمة الري بالتنقيط والرش عالي الكفاءة، الزراعة الدقيقة باستخدام الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي، أصناف المحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة والامراض وإدارة التربة القائمة على تقليل الانبعاثات وتحسين الكربون العضوي.
وتشيرالنتائج الى ان وزارة الزراعة المصرية ومن خلال مشروعات الشركاء الدوليين أظهرت أن استخدام الري الحديث يمكن أن يزيد إنتاجية بعض المحاصيل مثل القمح بنسبة تصل إلى15% – 25% مع تقليل استهلاك المياه بشكل كبير، وهو ما يعكس الأثر المزدوج على الإنتاجية والاستدامة وتأثيرة على الامن الغذائي.
كما أن تحسين كفاءة استخدام المياه في الزراعة يمكن أن يحرر كميات كبيرة لإعادة تخصيصها لقطاعات أخرى مثل مياه الشرب والصناعة او حتى التوسع في اضافة مساحات اخرى للرقعة الزراعية، وهو ما يعزز الأمن المائي والغذائي في آن واحد.
ورغم التحديات، فإن مصر تمتلك فرصاً كبيرة للتحول نحو الزراعة الذكية مناخياً، خاصة في ظل التوسع في المشروعات القومية لاستصلاح الأراضي، المبادرات الحكومية لتحديث نظم الري، الشراكات الدولية في مجال المناخ والزراعة، والاهتمام المتزايد بالتمويل المناخي والقطاع الزراعي الأخضر. كما أن مبادرات مثل الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 وبرامج كفاءة المياه توفر إطاراً مؤسسياً داعماً لهذا التحول.
يلعب مركز البيئة والتنمية للاقليم العربي واوروبا (سيداري) دورا قياديا في ادخال التكنلوجيا الحديثة وتطبيق الممارسات الزراعية الجيدة والذكية لمواجهة تغير المناخ مما يحمي البيئة ويدعم الاقتصاد. و يقدم سيداري، من خلال فريقه المتنوع من الخبراء المتخصصين، برامج ومبادرات تمتد عبر الأقاليم العربية والأوروبية والأفريقية، مع التركيز على التحول الرقمي، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، وإدارة المياه والأراضي، والاقتصاد الدائري، والتمويل الأخضر، والحوكمة البيئية.
اخيرا، لم تعد الزراعة الذكية مناخياً خياراً تقنياً فقط، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية لمصر في ظل ندرة المياه، وتغير المناخ، وضغوط الأمن الغذائي. بل إن تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاجية، وتقليل استهلاك الموارد، وخفض تكاليف التكيف يمثل جوهر التحول المطلوب. وفي هذا السياق، فإن الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، وتمكين صغار المزارعين، وربط سياسات المياه بالغذاء، يشكل الطريق الأكثر واقعية لتعزيز النمو الاقتصادي لمصر وضمان أمنها الغذائي على المدى الطويل.