يدخل العمل المناخي العالمي مرحلة جديدة، لم تعد فيها الطموحات وحدها كافية. فالدول تُقيَّم اليوم بدرجة أكبر وفقًا لمدى جاهزيتها الفنية، أي قدرتها على جمع بيانات موثوقة، وتقديم تقارير واضحة وشفافة، وإعداد مشروعات قابلة للتمويل، والوصول إلى التمويل المناخي، والمشاركة في أسواق الكربون الجديدة. ويؤدي ذلك إلى ظهور انقسام مناخي جديد بين دول تمتلك المؤسسات القوية، ونظم البيانات، والأدوات المالية، والبنية اللازمة للمشاركة في أسواق الكربون، ودول أخرى لا تزال تواجه ضعفًا في إعداد التقارير، وتشتتًا في الحوكمة، ومحدودية في إعداد المشروعات، وصعوبة في الحصول على التمويل. وفي هذا السياق، لم يعد العمل المناخي مرتبطًا فقط بإعلان الدول دعمها لاتفاق باريس، بل أصبح يعتمد بدرجة أكبر على امتلاكها للأنظمة والقدرات التي تساعدها على تحويل التزاماتها المناخية إلى تمويل، واستثمارات، ونتائج واضحة يمكن قياسها. ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
1. أصبحت الشفافية المناخية مدخلًا مهمًا للمصداقية والحصول على التمويل.
بموجب إطار الشفافية المعزز لاتفاق باريس، يتعين على الدول تقديم تقارير منتظمة توضح التقدم في تنفيذ مساهماتها المحددة وطنيًا، وآثار تغير المناخ، وجهود التكيف، واحتياجات بناء القدرات، والمجالات التي تحتاج إلى تحسين. وفي يوليو 2026، قدمت 37 دولة أول تقارير الشفافية لفترة السنتين خلال اجتماعات بون، تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (2026)، وهو ما يمثل أكبر مشاركة حتى الآن في هذه العملية. ويُظهر ذلك أن الشفافية لم تعد مجرد إجراء فني لإعداد التقارير، بل أصبحت مؤشرًا على جاهزية المؤسسات، ومصداقية السياسات، والاستعداد للحصول على التمويل.
2. أصبح التمويل المناخي مرتبطًا أكثر بوجود مشروعات واضحة وقابلة للتنفيذ.
حدد مؤتمر الأطراف التاسع والعشرون هدفًا جديدًا يتمثل في تعبئة ما لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي سنويًا من الدول المتقدمة لصالح الدول النامية بحلول عام 2035، مع السعي إلى زيادة إجمالي التمويل المناخي من المصادر العامة والخاصة ليصل إلى 1.3 تريليون دولار أمريكي سنويًا (اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 2024). ولكن الحصول على هذا التمويل لن يعتمد فقط على المطالب السياسية، بل سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول على تقديم مشروعات ناضجة، ومحددة التكلفة، وقابلة للتمويل، ويمكن قياس نتائجها.
3. تضيف أسواق الكربون شكلًا جديدًا من عدم المساواة المناخية.
يتجه العمل المناخي العالمي نحو تفعيل أسواق الكربون، خاصة في إطار المادة 6 من اتفاق باريس، حيث أصبحت قضايا التنفيذ، والشفافية، ونزاهة الأسواق ذات أهمية كبيرة. ويشير تقرير البنك الدولي لعام 2026 بشأن تسعير الكربون إلى أن التسعير المباشر للكربون يغطي الآن ما يقرب من ثلث الانبعاثات العالمية، وأن إيرادات تسعير الكربون تجاوزت 107 مليارات دولار أمريكي في عام 2025. كما يتم تطوير منصات جديدة لتحسين الشفافية وتوفير البيانات الخاصة بتنفيذ المادة 6 (برنامج الأمم المتحدة للبيئة، 2026). لذلك، فإن الدول التي لا تمتلك البيانات، والقدرات المؤسسية، والبنية التنظيمية اللازمة قد تجد نفسها خارج فرص التمويل والأسواق المناخية الجديدة.
وبوجه عام، فإن الانقسام المناخي الجديد لم يعد فقط بين الدول المتقدمة والدول النامية، بل أصبح أيضًا بين دول مستعدة فنيًا للمرحلة القادمة من العمل المناخي، ودول غير مستعدة. وبالنسبة للدول العربية، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة، إذ تواجه المنطقة احتياجات كبيرة في التكيف والتخفيف، خاصة في مجالات أمن المياه، والنظم الغذائية، وصمود المدن، والتحول في قطاع الطاقة، ومواجهة الإجهاد الحراري. ومع ذلك، لا تزال بعض الدول العربية تواجه تحديات في توافر البيانات، والتنسيق بين المؤسسات، وإعداد المشروعات، والحصول على التمويل الميسر.
ولتجنب التهميش في الاقتصاد المناخي الجديد، تحتاج الدول العربية إلى الاستثمار في نظم الشفافية الوطنية، واستراتيجيات التمويل المناخي، وإعداد حزم من المشروعات القابلة للتمويل، وبناء الجاهزية لأسواق الكربون، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجال البيانات والقدرات الفنية. ففي المرحلة المقبلة، لن تكون الريادة المناخية للدول التي تضع أهدافًا طموحة فقط، بل للدول القادرة على إثبات هذه الأهداف، وتمويلها، وتنفيذها على أرض الواقع.