مقدمة
تمثل مبادرة الأمم المتحدة 80 أكثر جهود الإصلاح طموحًا على نطاق المنظومة بأسرها منذ فترة طويلة. فالمبادرة، التي صيغت كلحظة تجديد، تسعى إلى تحويل الأمم المتحدة من الجمود إلى الإصلاح الهادف، ومن الهياكل المجزأة إلى العمل المتماسك، ومن الإجراءات إلى الأثر القابل للقياس. بيد أن وراء هذه اللغة المتفائلة توترات سياسية ومؤسسية ومالية عميقة. ففي واقع الأمر، تنطوي المقترحات على خطر تركيز السلطة، وتهميش أصوات البلدان النامية، وإعطاء الأولوية للكفاءة على حساب المبادئ التي تحققت بصعوبة في الحوكمة البيئية المتعددة الأطراف.
يتناول هذا التقرير بعدين حاسمين لمقترحات إصلاح الأمم المتحدة 80، ألا وهي: (1) الآثار المترتبة على التعاون البيئي متعدد الأطراف، و(2) التحولات في هياكل تمويل التنمية. وبالنسبة للبلدان النامية والدول العربية بوجه خاص، تنطوي هذه الإصلاحات على مخاطر وفرص. لكن يظل التحدي المركزي ما إذا كان السعي إلى التماسك وتوفير التكاليف سيأتي على حساب العالمية والإنصاف والمسؤوليات المتمايزة التي طالما شكلت أساس النظام البيئي متعدد الأطراف.
أولاً: الآثار المترتبة على تعددية الأطراف: الاندماج أم المركزية؟
إن المشهد الحالي للحوكمة البيئية الدولية متجزئ بلا شك. فمنذ عام 1972، ظهرت باقة متنوعة من الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف، لكل منها هيكل حوكمة خاص بها، وأمانة، ومؤتمر للأطراف، وآليات للإبلاغ. وتشخيص تقرير الأمين العام للتضارب والقيود المؤسسية وعدم الكفاءة ليس غير دقيق، بيد أن العلاجات المقترحة تنطوي على مخاطر كبيرة.
مخاطر الإفراط في المركزية
يقترح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الانتقال من العمل “المجزأ إلى السلس.” وتهدُف حزمة العمل 27 من مبادرة الأمم المتحدة 80، والتي يقودها كل من برنامج الأمم المتحدة للبيئة وأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، بإحداث قدر أكبر من التآزر بين الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف، بما في ذلك استكشاف أوجه التآزر الإدارية والبرنامجية، وهذا في ظاهره منطقي. بيد أن التقرير يستشهد كنموذج إيجابي بالأمانة المشتركة لاتفاقيات بازل وروتردام وستوكهولم؛ وهي ثلاث معاهدات منفصلة قانونيًا تدار الآن تحت سقف واحد. ويكمُن المأزق في أن ما يصلح لثلاث اتفاقيات بشأن المواد الكيميائية والنفايات قد لا يعمل بنفس السلاسة عبر الهياكل القانونية المختلفة جوهريًا، والقواعد العضوية، والديناميكيات السياسية لأنظمة، على سبيل المثال، المُناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر.
وثمة شاغل آخر أكثر جوهرية يتمثل في ‘التوسع غير المنضبط بالمهمة’، أو ميل المهمة أن يصبح نطاقها في نهاية المطاف أوسع من أهدافها الأولية. إذ يتساءل تقرير المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة المقدم للدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة عما إذا كان بوسع الجمعية أن تكون بمثابة منصة لتحقيق تآزر أعمق، مع احترام ‘الاستقلال الذي لا يمكن المساس به’ لكل اتفاق بيئي متعدد الأطراف. بيد أن لغة التقرير التي تتحدث عن ‘المواءمة’ و’التماسك’ و’التبسيط’ كثيرًا ما تتداخل لتشكل تركيزاً ضمنيًا للسلطة. فهناك خطر حقيقي من أن تبدأ جمعية الأمم المتحدة للبيئة، وهي هيئة عالمية تضم جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، في العمل باعتبارها مؤتمرًا موسع للأطراف بحكم الأمر الواقع، حيث تصدر توجيهات تقيد بشكل غير مباشر الاستقلالية في اتخاذ القرار لدى الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف المختلفة. وقد تجد البلدان النامية الصغيرة، التي استثمرت عقودًا في بناء نفوذ داخل مؤتمرات الأطراف لاتفاقات محددة، أن هذا النفوذ يتضاءل في محفل أكبر قد تكون فيه للقوى الكبرى اليد العليا.
تحدي المشاركة غير المتكافئة
ومن المفارقات، أنه في حين أن جمعية الأمم المتحدة للبيئة تتمتع بعضوية عالمية، فإن البنية التحتية الدبلوماسية اللازمة لدعم مشاركة هادفة غير متوفرة. يُقر تقرير الجمعية في دورتها السابعة بصراحة بأن أقل من نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لديها تمثيل دائم في نيروبي. وكثير من السفراء معتمدون لدى بلدان متعددة، مما يشكل عبئاً كبيراً على البعثات الصغيرة. وقد يؤدي تركيز الأمم المتحدة 80 على التبسيط والجداول الزمنية المتسارعة في شكل قرارات أسرع، وفترات تحضيرية مضغوطة، ومشاركة افتراضية، إلى تفاقم هذا الخلل. فالمشاركة الافتراضية ليست بديلًا عن التواجد الفعلي. فالمفاوضات بشأن النصوص البيئية المعقدة غالبًا ما تُجرى في الممرات والتجمعات غير الرسمية التي لا يمكن للمندوبين عن بُعد الوصول إليها. وقد تكون النتيجة مكسبًا في الكفاءة للبعثات المجهزة تجهيزًا جيدًا في نيروبي وجنيف ونيويورك، مع تكبد عجز في العملية الديمقراطية بالنسبة لغالبية دول العالم.
ويشير تقرير المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة إلى أن توسيع التمثيل الدبلوماسي في نيروبي من شأنه أن يعزز حوكمة برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهذا صحيح، لكن التقرير لا يقدم أي مسار واقعي لتحقيق ذلك، فالبعثات الدبلوماسية مكلفة من حيث الإنشاء والإدارة. وتواجه البلدان النامية، ولا سيما أقل البلدان نموًا والدول الجزرية الصغيرة النامية، خيارات إنفاق صعبة. ولا يتضمن إصلاح الأمم المتحدة 80 آلية تمويل مخصصة لدعم التمثيل الموسع، وبالتالي، فمن المرجح أن يستمر عدم المساواة في المشاركة أو يزداد سوءًا، لا أن يتحسن. إن الاقتراح الخاص بالمشاركة الافتراضية هو بديل غير مناسب، كما ظهر من محاولات تطبيقه خلال قيود السفر الناجمة عن جائحة كوفيد-19، ويعترف تقييم برنامج الأمم المتحدة للبيئة نفسه بأنه لا يزال من الصعب على العواصم غير الممثلة في نيروبي المشاركة الكاملة.
التهديد الذي يطوق تفاعل العلوم والسياسات
تشدد تقييمات الأمم المتحدة 80 وحزمة العمل 27 على ضرورة تعزيز التفاعل بين العلوم والسياسات. بيد أن تقرير الأمم المتحدة 80 يعطي الأولوية أيضًا للكفاءة وتوفير التكاليف في وظائف الأمانات. فأمانات الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة تعتمد بالفعل بشكل كبير على التبرعات الطوعية والخبراء المعارين. وقد يؤدي تبسيط الدعم الإداري إلى إضعاف القدرات العلمية عن غير قصد إذا نتج عن ذلك دمج الوحدات البحثية، أو تقليل الخبرات الداخلية، أو الاستعانة باستشاريين خارجيين للتحليل. فعلى سبيل المثال، يثير الاقتراح بدمج معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح ومعهد الأمم المتحدة الأقاليمي لبحوث الجريمة والعدالة في كيانات أخرى، مع الحفاظ على استقلالية البحث، السؤال إذٍا: إذا كان من الممكن الحفاظ على استقلالية البحث داخل هيكل مدمج، فلماذا لا نحتفظ بكيانات منفصلة؟ يشير الجواب إلى أن الكفاءة تُعطى الأولوية على حساب الاستقلالية المؤسسية، وهو منطق قد ينطبق بالمثل على هيئات البحوث البيئية.
بالنسبة للدول العربية والنامية الأخرى، التي يحتفظ كثير منها ببعثات أصغر أو يعتمد على تمثيلهم في جنيف في شؤون القضايا البيئية، قد تؤدي إصلاحات الأمم المتحدة 80 إلى تقليص نفوذها الحقيقي. فإذا بدأت الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف في مواءمة جداول الإبلاغ واتخاذ القرارات تحت مظلة جمعية الأمم المتحدة للبيئة، فقد تضطر العواصم العربية إلى الاختيار بين حضور جمعية الأمم المتحدة للبيئة، ومؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، ومؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، كل ذلك بكوادر دبلوماسية وتقنية محدودة.
فلن تكون النتيجة تآزرًا، بل حتمًا إرهاقًا يؤدي إلى تهميش. إن الدفع الذي تقوم بها إصلاحات الأمم المتحدة 80 نحو عمليات قرار متسارعة ومبسطة في نيروبي، مع مواعيد تقديم مبكرة وفترات تفاوض مضغوطة، سيفيد أولئك الذين لديهم دبلوماسيون بيئيون متفرغون وذوو خبرة على الأرض في نيروبي. وقد تجد آليات التنسيق الإقليمية، مثل جامعة الدول العربية، التي هي أصلاً مثقلة بأعباء عمليات الأمم المتحدة المتعددة، صعوبة في صياغة مواقف إقليمية متماسكة في هذا الواقع الجديد الأسرع خطى. والخطر هو أن أولويات البلدان النامية البيئية تصبح تفاعلية لا استباقية.
الصراعات الجيوسياسية على السلطة والفاعلون الصاعدون
إصلاحات الأمم المتحدة 80 ليست مجرد إصلاحات تقنية؛ بل تتكشف في سياق جيوسياسي متغير. فالقوى الصاعدة – الصين والهند والبرازيل ودول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – أصبحت أكثر فاعلية في الحوكمة البيئية، سواء كجهات مانحة أو كجهات لوضع المعايير. ويمكن أن يصبح التحول للتمويل المجمع، والأمانات الموحدة، واتخاذ القرارات المبسطة، ساحة جديدة للتنافس على النفوذ. فقد يرى المانحون التقليديون (الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، اليابان، المملكة المتحدة) في الآليات المجمعة وسيلة للحفاظ على نفوذها مع خفض تكاليف المعاملات. في المقابل، قد تنظر الاقتصادات الناشئة إلى الآليات ذاتها باعتبارها تهديدًا لنفوذها الذي كسبته مؤخرًا داخل مؤتمرات الأطراف للاتفاقات البيئية متعددة الأطراف محددة، والتي شكلوا بها تحالفات.
بالإضافة إلى ذلك، لا يتناول إطار الأمم المتحدة 80 كيفية إدارة اختلال توازن القوى في الهيكل الجديد الأكثر تكاملًا. فعلى سبيل المثال، إذا بدأت جمعية الأمم المتحدة للبيئة في إصدار توجيهات تنسق عمليًا جداول أعمال مؤتمرات الأطراف للاتفاقات البيئية متعددة الأطراف، فما هي الدول أو المجموعات التي ستسيطر على المشاورات غير الرسمية التي تشكل تلك التوجيهات؟ إن لغة التقرير المتعلقة بـ ‘المواءمة’ و’التماسك’ تتجاهل حقيقة أن المواءمة دائمًا تتطلب أن تصبح معايير جهة ما هي المعيار المرجعي. وقد تجد البلدان النامية التي دافعت بنجاح عن مبدأ ‘المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة’ في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أن هذه المبادئ تتعرض للتآكل إذا انتقلت الحوكمة البيئية إلى محفل تُعالج فيه جميع القضايا وفق منطق كفاءة واحد. وعلاوة على ذلك، قد تجد أقل البلدان نموًا والدول المهمشة صوتها يتضاءل ما لم تتضمن الإصلاحات صراحة قواعد مشاركة مرجحة أو محمية. فالمقترحات الحالية صامتة بشأن كيفية منع الهيكل الجديد من أن يصبح أداة لأجندات تقودها القوى الكبرى أو الكتل، بدلًا من أن تكون منصة متعددة الأطراف حقيقية.
ثانيًا: آثار تمويل التنمية: توحيد الموارد أم فقدان السيطرة؟
يوجه تقرير الأمين العام نقدًا حادًا لهياكل التمويل الحالية: تمويل طوعي متجزئ، وتفضيلات ثنائية، وسلوك تنافسي بين كيانات الأمم المتحدة. أما العلاجات المقترحة، ألا وهي تمويل مجمع، وهياكل مبسطة، وتكاليف دعم مشروعات موحدة، وإشراك القطاع الخاص بشكل أكبر، فتُعرض على أنها إيجابية بشكل لا لبس فيه. إلا أن التقييم النقدي يكشف عن جوانب سلبية كبيرة:
مركزية اتخاذ القرارات المالية
آليات التمويل المُجمع، بطبيعتها، تركز سلطة اتخاذ القرار. ويقترح التقرير ترشيد محفظة الصناديق المُجمعة، بما في ذلك الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ، وصندوق بناء السلام، والصندوق المشترك لأهداف التنمية المستدامة، والصناديق المُجمّعة القُطرية. وفي حين أن هذا قد يخفض تكاليف المعاملات، فإنه يقلل أيضًا من خيارات كل من الجهات المانحة والمستفيدة. فحاليًا، يمكن لحكومة أي بلد نام أن تتوجه إلى كيانات أممية متعددة للحصول على التمويل، منتقية الكيان الذي تتفوق ولايته وخبراته وشروطه مع الأولويات الوطنية. وفي إطار هيكل مُجمّع مبسط، تقل عدد نقاط الدخول، ويزداد نفوذ الوكيل الإداري، الذي هو عادة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو جهاز من أمانة الأمم المتحدة.
إن هدف تقرير الأمم المتحدة 80 المتمثل في تنسيق تكاليف الدعم البرامجي (التكاليف غير المباشرة) هو أيضًا سلاح ذو حدين. حاليًا، تتراوح المعدلات بين 7 و13 في المائة. وقد يؤدي التنسيق إلى زيادة الكفاءة وتقليل حالة عدم اليقين لدى الجهات المانحة. ولكنه قد يجبر أيضًا كيانات أصغر ومتخصصة على تبني هياكل التكاليف الخاصة بالكيانات الأكبر. فقد يشهد كيان ذو أمانة هزيلة وفعّالة انخفاضًا في استرداد تكاليفه، مما يهدد جدواه المالية. إن تقدير التقرير بأن “حتى تحسين الكفاءة بنسبة 1 في المائة… يمكن أن يطلق العنان لمئات الملايين من الدولارات من الوفورات” هو تقدير جذّاب بلاغيًا لكنه غير دقيق رياضيًا. فمكاسب الكفاءة ليست مضمونة؛ فهي تتطلب استثمارًا مسبقًا، وإرادة سياسية، وتنسيقًا مستدامًا – ولا شيء من ذلك مضمون.
فخ إشراك القطاع الخاص
يذكر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تحقيق الاستثمار السنوي البالغ 5-7 تريليونات دولار اللازم لتنفيذ الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف يتطلب مشاركة هائلة من القطاع الخاص. وهذا صحيح بلا شك. غير أن تأكيده بأن الحكومات تظل مسؤولة عن تنفيذ التزامات الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف ولكن استثمار القطاع الخاص ضروري، يتجنب الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمساءلة والشروط.
رأس المال الخاص ليس عملًا خيريًا، فهو يتوقع عوائد. فإذا كثّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة والكيانات الأخرى مشاركتهم مع الشركات والبنوك الخاصة ومديري الأصول، فهناك خطر حقيقي من أن تتحول صياغة السياسات البيئية نحو تيسير المشروعات القابلة للاستثمار، والمصرفية، والإيجابية من حيث العائد على الاستثمار، مثل الطاقة المتجددة، والسندات الخضراء، والبنية التحتية للاقتصاد الدائري، مع إهمال السلع البيئية غير المجدية تجاريًا، مثل حفظ التنوع البيولوجي في المناطق النائية، أو معالجة التلوث في المجتمعات المهمشة، أو التكيف للمزارعين المعيشيين. ولا يقدم تحليل برنامج الأمم المتحدة للبية أي ضمانات ضد هذه النتيجة، ولا يعالج الخلل في شرعية مشاركة القطاع الخاص في الحوكمة البيئية الحكومية الدولية. فالاتفاقات البيئية متعددة الأطراف هي معاهدات بين الدول، ومؤتمرات الأطراف لها تقودها الدول. فإذا أصبح التنفيذ يعتمد بشكل متزايد على التمويل الخاص، فهل تكتسب الشركات حق النقض غير الرسمي على توجهات السياسات؟ إن إطار الأمم المتحدة 80 لا يجيب على هذا السؤال.
وهم التمويل الأساسي
يزعم تقرير الأمم المتحدة 80 أن التمويل الطوعي الأساسي لا يمثل سوى أقل من 15 في المائة من المساهمات. ويقترح تعزيز الحوافز للتمويل الأساسي، مما يجعله أرخص وأكثر جاذبية من النهج المتجزئة. بيد أن الديناميكية الكامنة هي أن الجهات المانحة تفضل التمويل المخصص لأنه يمنحها السيطرة. فالتـمويل الأساسي مجمع وتقوم بتخصيصه قيادة الأمم المتحدة؛ بينما يسمح التمويل المخصص للجهات المانحة بتوجيه الموارد إلى بلدان أو قطاعات أو كيانات محددة. ولا يقدم تقرير الأمم المتحدة 80 أي آلية مقنعة لعكس هذا التفضيل. فقد قاومت الجهات المانحة زيادات التمويل الأساسي لعقود. ولا يوجد سبب يُذكر للاعتقاد بأن نموذج واضح للمعدلات أو إبراز المساهمين الأساسيين سيغير السلوك، لا سيما إذا قلل التمويل المُجمع في الوقت نفسه من سلطة المانحين في القرار.
بالنسبة للدول النامية التي تعتبر أيضًا جهات مانحة كبيرة لبرامج الأمم المتحدة البيئية والإنمائية، مثل الاقتصادات الناشئة، قد يؤدي التحول نحو التمويل المُجمع إلى تقليص قدرتها على توجيه الموارد نحو أولويات إقليمية محددة. وبالنسبة للبلدان المتلقية للتمويل من الأمم المتحدة، فإن تقليص نقاط الدخول قد يعني خيارات أقل واعتمادًا أكبر على الآليات المُجمعة، والتي قد لا تتوافق دائمًا مع خطط التنمية الوطنية. وقد يؤدي التركيز على القطاع الخاص إلى تفضيل الدول ذات الأسواق المالية المتقدمة، بينما يضر أقل البلدان نموًا والدول المتأثرة بالنزاعات حيث الاستثمار الخاص ضئيل والتمويل العام يظل أساسيًا.
فجوة المساءلة
لا يولي تقرير الأمم المتحدة 80 اهتمامًا يُذكر، من حيث التركيز على الكفاءة والتوحيد وتوفير التكاليف، لكيفية مساءلة الحوكمة البيئية. إن الاقتراح بإلغاء خمس وظائف عليا (برتبة وكيل أمين عام وأمين عام مساعد) وتوحيد مستويات الإدارة داخل ركيزة السلام والأمن يشكل سابقة قد تمتد إلى الكيانات البيئية. فقد يعني وجود عدد أقل من كبار المسؤولين قدرة أقل على الرقابة المستقلة، والتقييمات الداخلية، والاستجابة لشكاوى المبلغين عن المخالفات. يذكر التقرير تعزيز ‘مراجعات 360 درجة’ للممثلين الخاصين، لكنه لا يمد إطار المساءلة هذا إلى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أو أمانات الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف، أو الهيئات البيئية الإقليمية.
وعلاوة على ذلك، فإن التوجه نحو التمويل المُجمع وتكاليف الدعم البرامجي المنسقة يخاطر بإضعاف المساءلة بين المانحين والمتلقين. فعندما تتقاسم كيانات متعددة صندوقًا مشتركًا، يصبح تتبع أثر مساهمة معينة أكثر صعوبة، ويمكن أن ينتشر الإبلاغ عن سوء الإدارة عبر الوكلاء الإداريين. يدعو تقرير الأمين العام إلى ‘الإبلاغ الشفاف’ لكنه لا يقدم أي هيئة تقييم مستقلة جديدة، أو وظيفة أمين مظالم، أو آلية رقابة مجتمع مدني. وبدون هذه الآليات، قد تأتي مكاسب الكفاءة على حساب قدر أقل من الشفافية وعدد أقل من سبل الإنصاف، ولا سيما بالنسبة للبلدان النامية التي تفتقر إلى النفوذ الدبلوماسي للمطالبة بعمليات تدقيق أو تحقيقات.
بالنسبة للبلدان النامية التي هي في آن واحد مانحة ومتلقية للمساعدات البيئية، قد يكون تآكل المساءلة ضارًا بشكل مضاعف. فقد يصبح المانحون مترددين في تجميع الأموال إذا لم يتمكنوا من نسب النتائج بوضوح، بينما قد تجد الحكومات المتلقية نفسها محصورة في آليات مشتركة غير شفافة حيث تُتخذ القرارات من قبل وكلاء إداريين غير خاضعين للمساءلة. إن اشتراطًا ملزمًا بإجراء تدقيق بيئي مستقل على نطاق المنظومة، يُنشر ويمكن لجميع الدول الأعضاء الوصول إليه، سيشكل الحد الأدنى من الضمانات. إصلاحات الأمم المتحدة 80 المطروحة الحالية لا تتضمن ذلك.
مخاطر استراتيجية واعتبارات حيوية للدول العربية
الخطر 1: إعادة الهيكلة الإقليمية كقالب واحد يناسب الجميع
تهدف إعادة الضبط الإقليمي المقترحة إلى تركيز القدرات المجزأة حول اللجان الإقليمية. بالنسبة لبعض الدول العربية، هذا يعني اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). وفي حين أن التوحيد قد يبدو فعالًا، فإن الخطر هو أن تُخضع الأولويات البيئية لأطر عمل عالمية أو تفرضها الإدارات المركزية. ولاية الإسكوا واسعة؛ فالقضايا البيئية تتنافس على الاهتمام مع التنمية الاقتصادية والسياسة الاجتماعية، وبناء القدرات الإحصائية. وبدون قيادة وموارد بيئية مخصصة، قد تعني إعادة الهيكلة الإقليمية عددًا أقل من الخبراء البيئيين على المستوى الإقليمي، لا أكثر.
الخطر 2: الموارد الرقمية المشتركة كشرط جديد
تعد الموارد الرقمية المشتركة بتوفير بنية تحتية للبيانات مشتركة وقابلة للتشغيل البيني. بيد أن البيانات ليست محايدة. يقر تقرير الأمم المتحدة 80 بأن هناك حاجة إلى حوافز للتغلب على ‘اكتناز البيانات’. بالنسبة للدول العربية، قد يؤدي المساهمة بالبيانات البيئية الوطنية في موارد بيانات مشتركة لنظام الأمم المتحدة إلى خلق أشكال جديدة من الشروط. فقد يصبح الوصول إلى التمويل أو الخبرات المجمعة مشروطًا بمشاركة البيانات، بما في ذلك المعلومات الحساسة المتعلقة بالموارد المائية أو الغلات الزراعية أو التلوث الصناعي التي قد تعتبرها الحكومات حساسة استراتيجيًا. ولا يقدم التقرير أي إطار لحوكمة البيانات لمعالجة هذه المسألة.
الخطر 3: سابقة إنهاء عمل برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز
يخطط تقرير الأمم المتحدة 80 صراحةً لـ ‘إنهاء عمل’ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز بحلول نهاية عام 2026، وتعزيز قدراته في كيانات أخرى. وفي حين أن البرنامج ليس هيئة بيئية، فإن هذا يشكل سابقة خطيرة لأي كيان متعدد الأطراف يُعتبر مكررًا أو غير فعّال. فالعديد من الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف والهيئات المرتبطة بها لديها أمانات وميزانيات صغيرة نسبيًا. إذا أصبحت الكفاءة المقياس الأساسي، فقد يتم استهدافها بالمثل للإغلاق أو الاستيعاب. ينبغي للدول العربية التي استفادت من المسؤوليات المتمايزة المنصوص عليها في الاتفاقات البيئية متعددة الأطراف القائمة أن تظل يقظة. فحجج الكفاءة يمكن أن تصبح بسهولة غطاءً لقرارات سياسية بحرمان كيانات تجدها الدول القوية غير مريحة.
الخطر 4: مشكلة المهام غير الممولة لا تزال دون حل
إن استجابة الأمم المتحدة 80 لمحدودية الموارد، فإن المذكرات التقنية، والآثار على الميزانية، وتقليل عدد القرارات، كلها إجراءات لا تحل المشكلة الأساسية. فلا يزال بإمكان الدول الأعضاء إصدار قرارات تطلب أنشطة دون اعتماد الأموال. والفرق الوحيد هو أن الآثار على الميزانية ستُوثق مسبقًا. وبدون آلية ملزمة تربط اعتماد القرار بالتزامات التمويل، فإن إصلاحات الأمم المتحدة 80 تجعل ببساطة مشكلة المهام غير الممولة أكثر شفافية، وليس أقل. فالبلدان النامية التي تقترح إجراءات بيئية طموحة تخاطر بأن يُقال لها إن مقترحاتها غير قابلة للتمويل، بينما تحظى المبادرات التي يقترحها المانحون بالدعم.
الخلاصة
يشخص إصلاح الأمم المتحدة 80 مشكلات حقيقية: التجزؤ، والازدواجية، وعدم الكفاءة، واختلال التمويل. بيد أن العلاجات المقترحة تحمل مخاطر كبيرة تتمثل في المركزية، والأجندات التي يقودها المانحون، وتقليص مشاركة البلدان النامية، وتآكل المبادئ التي تحققت بصعوبة في الحوكمة البيئية متعددة الأطراف. بالنسبة للدول العربية، الرسالة ليست رفض الإصلاح، بل الانخراط بشكل نقدي واستراتيجي. فالكفاءة ليست قيمة محايدة: يمكنها أن تخدم الإنصاف والفعّالية، أو يمكنها أن تخدم مصالح الأقوياء على حساب الضعفاء. ستحدد عملية الأمم المتحدة 80 أي مسار ستسلكه الأمم المتحدة. ويجب على الدول العربية، بشكل فردي ومن خلال جامعة الدول العربية، أن تطالب بأن تتضمن الإصلاحات ضمانات ملزمة للمشاركة العالمية، واحترام استقلال الاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف، والحماية من تآكل الالتزامات البيئية بسبب السعي وراء الكفاءة. وبدون هذه الضمانات، قد تكون الأمم المتحدة في سن الثمانين أكثر رشاقة وأسرع وأكثر كفاءة – ولكن أيضًا أقل تمثيلًا وأقل قدرة على خدمة “نحن الشعوب” بكل تنوعها بشكل حقيقي.