في ظل التقلبات الجيوسياسية الحادة التي تهدد إمدادات النفط العالمية، يزداد تأثير الجهات الفاعلة في قطاع الوقود الأحفوري على السوق الطوعية للكربون (Carbon Market Watch, 2026) . ولا يقتصر ذلك على استخدام أرصدة الكربون للحفاظ على “صافي الانبعاثات الصفري”، بل يمتد أيضًا إلى التأثير في حوكمة السوق وقواعدها، بما يُبقي الأرصدة مرنة وقابلة للاستخدام كبديل عن خفض الانبعاثات. ويتضح هذا التأثير من خلال ما يلي:
- الاعتماد الكبير لشركات النفط والغاز على أرصدة الكربون لدعم ادعاءاتها المناخية، بحيث أصبحت التعويضات تُقدَّم بوصفها “ركيزة استراتيجية” في استراتيجياتها المناخية. فقد قامت شركة شل بتعويض 17.3 مليون رصيد كربوني في عام 2024، مما يوضح كيف تُستخدم هذه الأرصدة على نطاق واسع لدعم الأهداف المناخية المؤسسية ورسائلها العامة (Carbon Market Watch, 2026).
- التأثير من خلال الحوكمة ومبادرات “النزاهة”. فقد ضمت عضوية فريق العمل المعني بتوسيع الأسواق الطوعية للكربون (TSVCM) شركات مثل بريتيش بتروليوم وشل وتوتال إنرجيز، ما أثار مخاوف من أن الجهات السوقية الأكثر اعتمادًا على الوقود الأحفوري قد تنتهي إلى صياغة معايير “النزاهة” نفسها. وخلال مشاورات TSVCM (2026)، برزت معارضة قوية لمتطلبات الإضافية المالية، مع التأكيد على إن الإضافية القانونية أو التنظيمية ينبغي أن يتم “تجنبها أو تقليصها إلى الحد الأدنى”، وهو توجه قد يوسع المعروض من الأرصدة الكربونية، لكنه يهدد بخفض جودتها.
- يخصص مجلس النزاهة للسوق الطوعية للكربون (ICVCM, 2026) مقاعد في هيكل الحوكمة “للمشاركين في سوق الكربون”، بما يضمن إدماج وجهات نظر شركات النفط في عملية صنع القرار الاستراتيجي، ويدفع نحو قواعد أضعف لجودة أرصدة الكربون بهدف توسيع المعروض منها.
وبوجه عام، تستخدم مصالح الوقود الأحفوري السوق الطوعية للكربون كمحركًا للطلب من خلال شراء الأرصدة الكربونية على نطاق واسع، وكساحةً للتأثير في صياغة القواعد، بما يهدد بتحويل “معايير النزاهة” إلى معايير تتوافق مع احتياجات المشترين، وذلك في سياق جيوسياسي يتسم بندرة الطاقة.
وفي المنطقة العربية، حيث تتوسع مشاريع ومراكز تداول الكربون، يوصى بإعتماد المصداقية من خلال فرض معايير صارمة للإضافية، وضمان الشفافية في سجلات المشاورات، ووضع حدود واضحة للتعويضات. وتزداد أهمية ذلك في ظل الحرب الإيرانية، التي عطلت إنتاج النفط وصادراته عبر الخليج، وعززت الحاجة إلى أسواق كربون موثوقة.