إن احتفاء ترامب بما تردد عن ابتعاد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عن أكثر سيناريوهات الاحترار تطرفًا في 17 مايو 2026، ينطوي على خطر تحويل تحديث علمي في نمذجة المناخ إلى سلاح سياسي ضد علم المناخ. فقد صوّر ترامب إعادة تقييم الهيئة لمسارات الاحترار شديدة الارتفاع باعتبارها دليلًا على أن التحذيرات المناخية السابقة كانت “خاطئة”، رغم أن المعنى العلمي أكثر تعقيدًا. فاحتمال تحقق السيناريوهات الأكثر تطرفًا قد يكون قد تراجع نتيجة تغيرات في اتجاهات الطاقة، وافتراضات السياسات، وانتشار الطاقة المتجددة، وليس لأن تغير المناخ لم يعد خطرًا (نيويورك بوست، 2026).
لذلك، لا تكمن القضية الحقيقية في ما إذا كان أحد السيناريوهات قد جرى تعديله، بل في ما إذا كان الفاعلون السياسيون يستخدمون التطور العلمي لإضعاف الثقة في العمل المناخي. وهذا يعني أن هجوم ترامب على الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لا يمثل انتصارًا على “توقعات فاشلة”، بقدر ما يعكس محاولة أوسع للتشكيك في المؤسسات التي تحول علم المناخ إلى سياسات عامة. ويزداد هذا القلق في ظل الانسحاب الأمريكي السابق من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ومن الهيئة نفسها. ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
- إعادة التقييم العلمي تُصوَّر خطأً على أنها فشل علمي. السيناريوهات المناخية ليست نبوءات ثابتة، بل أدوات لتقييم مستقبلات محتملة وفق افتراضات مختلفة بشأن الانبعاثات، والتكنولوجيا، والسياسات، والتنمية. وإذا منحت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وزنًا أقل للمسار الأكثر تطرفًا، فقد يعكس ذلك تحولات في نظام الطاقة العالمي والمشهد السياسي، لا انهيار علم المناخ (نيويورك بوست، 2026).
- المخاطر المناخية لا تزال قائمة رغم مراجعة السيناريوهات. إن تقليل الاعتماد على مسار الاحترار الأكثر تطرفًا لا يعني أن تغير المناخ لم يعد خطرًا (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، 2026).
- الهجوم على الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ يضعف الحوكمة المناخية القائمة على الأدلة. إن انسحاب ترامب الأوسع من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ يقوّض المؤسسات التي توفر الأسس العلمية المشتركة للمفاوضات المناخية، والإبلاغ عن الانبعاثات، وتخطيط التكيف، والتمويل المناخي (كاربون بريف، 2026).
ختامًا، ينبغي قراءة تعديل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ للسيناريوهات المناخية باعتباره دليلًا على الانضباط العلمي، لا تراجعًا علميًا. فعلم المناخ يتطور كلما ظهرت أدلة جديدة وتحسنت أدوات التحليل، لكن رسالته الأساسية ما زالت ثابتة: الاحترار العالمي حقيقي، وسببه الرئيسي النشاط البشري، وآثاره تضر بالفعل بالمجتمعات والاقتصادات. وتكمن الخطورة في أن الخطاب السياسي الانتقائي قد يحوّل التحديثات العلمية الطبيعية إلى مصدر للارتباك والتشكيك لدى الرأي العام. وقد يخدم تسييس علم المناخ أهدافًا أيديولوجية قصيرة الأجل، لكنه يضعف قدرة الدول والمجتمعات على الاستعداد للمخاطر المناخية على المدى الطويل. وبالنسبة للدول العربية، فإن الأولوية هي تعزيز القدرات الإقليمية في علم المناخ، وزيادة الاستثمار في التكيف، والاستمرار في الانخراط في المؤسسات المناخية متعددة الأطراف، بغض النظر عن التحولات السياسية في الولايات المتحدة.
