Home » تمويل الطبيعة في المنطقة العربية – تدوير عجلة “التحول الكبير للطبيعة”

تمويل الطبيعة في المنطقة العربية – تدوير عجلة “التحول الكبير للطبيعة”

by CEDARE Team

يقدم تقرير حالة التمويل من أجل الطبيعة لعام 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2026 تحذيرًا صارخًا: وصلت تدفقات التمويل العالمية الضارة مباشرة للطبيعة إلى 7.3 تريليون دولار في عام 2023، في حين بلغت الاستثمارات في الحلول القائمة على الطبيعة 220 مليار دولار أمريكي فقط – وهي نسبة تجاوزت 30:1. وبينما ارتبطت الحلول القائمة على الطبيعة في الماضي بالغابات والزراعة، إلا أن هناك إدراكًا متزايدًا بأن الفرص الاستثمارية تتوسع لتشمل جميع القطاعات الاقتصادية — بما في ذلك البناء والمرافق العامة والصناعات الاستخراجية — مع بدء المؤسسات المالية والحكومات في تجاوز هذا التركيز الضيق والتوجه نحو تقييم شامل للبنية التحتية الطبيعية. ولتحقيق أهداف اتفاقيات ريو لعام 2030، يدعو التقرير إلى ما يسميه “تحول كبير نحو الطبيعة”، حيث يجب أن يتضاعف الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة ليصل إلى 571 مليار دولار أمريكي سنويًا، في حين يجب إعادة توجيه تدفقات التمويل المدمرة لها بشكل عاجل. وقد تعززت هذه الحاجة الملحة بفضل التقييم المنهجي لأثر قطاع الأعمال واعتماده على التنوع البيولوجي وعلى الإسهامات التي تقدمها الطبيعة للبشر الصادر عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، والمعروف بشكل دارج باسم “تقييم الشركات والتنوع البيولوجي”، والذي خلُص إلى أن فقدان التنوع البيولوجي يشكل حالياً خطرًا نظاميًا حرجًا يهدد استقرار الاقتصاد والنظام المالي العالميين، حيث تعمل المؤسسات التجارية على تفاقم هذا الخطر وتتعرض له في الوقت نفسه.

لا يزال التمويل الرسمي للتنمية يمثل عاملاً حيوياً، وإن كان هشاً بشكل متزايد، لمساندة التوسع في تطبيق الحلول القائمة على الطبيعة في جميع أنحاء المنطقة العربية. في عام 2023، بلغ التمويل الإنمائي الرسمي الموجه للحلول القائمة على الطبيعة على الصعيد العالمي 6.8 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 22 في المائة عن عام 2022، لكن تقرير ”حالة التمويل من أجل الطبيعة“ يحذر من أن ميزانيات التمويل الإنمائي الرسمي تتعرض لضغوط شديدة بسبب الوضع الجيوسياسي، مما سيؤدي على الأرجح إلى تقييد التدفقات المستقبلية إلى البلدان النامية، بما في ذلك العديد من الدول العربية. ونظرًا لأن التمويل الإنمائي الرسمي غالبًا ما يدعم الاستثمارات الأساسية في مجالات أمن المياه، وإعادة تأهيل الأراضي، وحماية السواحل – وهي مجالات تواجه فيها الدول العربية مخاطر حادة – فإن أي انكماش في هذا التمويل من شأنه أن يقوض بشدة قدرة المنطقة على تحقيق أهداف اتفاقيات ريو، لا سيما فيما يتعلق بتحقيق الحياد في مجال تدهور الأراضي والحفاظ على التنوع البيولوجي. وقد أكد “تقييم الشركات والتنوع البيولوجي” أن الظروف الخارجية الحالية، بما في ذلك عدم كفاية الحوافز، تساهم في استمرار الوضع الراهن وتعيق التغيير الجذري اللازم لوقف فقدان التنوع البيولوجي، مما يجعل الاستخدام الفعال للتمويل الرسمي للتنمية الشحيح أمرًا بالغ الأهمية.

من الناحية الاستراتيجية، يقدم “منحنى الانتقال البيئي” الوارد في تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إطارًا عمليًا لصانعي القرار العرب. فهو يدعو إلى التخلص التدريجي من تمويل الأنشطة التي تؤدي إلى تدهور الطبيعة، مع البدء التدريجي في تطبيق الحلول القائمة على الطبيعة من خلال الميزنة الخضراء، ومبادلات الديون مقابل الطبيعة، وأدوات التمويل المختلط. والجدير بالذكر أن أكثر من 43 في المائة من التمويل الرسمي للتنمية على الصعيد العالمي في عام 2023 الموجه للحلول القائمة على الطبيعة قد تم تخصيصه لتنفيذ اتفاقيات ريو الثلاث في آن واحد، مما يُبرز الفرص المتاحة لاتخاذ إجراءات متكاملة في مجالات المُناخ والتنوع البيولوجي وتدهور الأراضي.

بالنسبة للدول العربية، فإن إعطاء الأولوية للحماية (الحل الأكثر فعالية من حيث التكلفة) جنبًا إلى جنب مع إعادة تأهيل الأراضي الرطبة والمراعي والنظم الإيكولوجية الساحلية يمكن أن يحقق عوائد كبيرة. ومع ذلك، فبدون تنويع مصادر التمويل بما يتجاوز التمويل الإنمائي الرسمي المحدود، ودون القيام باستثمارات مدروسة واستباقية في البنية التحتية الطبيعية، سيظل مسار المنطقة العربية نحو الأمن المائي والغذائي والاقتصادي هشاً بشكل خطير. ولسد هذه الفجوة، يجب على الحكومات أن تقود الجهود من خلال زيادة الاستثمار العام في الحلول القائمة على الطبيعة، وإعطاء الأولوية لتلك التي توفر السلع العامة الأساسية مثل حماية مستجمعات المياه والقدرة على التكيف مع تغير المناخ. علاوة على ذلك، فإن تنفيذ لوائح تنظيمية وحوافز مالية فعالة أمر ضروري لمواءمة النشاط الاقتصادي الوطني مع القيمة الحقيقية لخدمات النظم الإيكولوجية. كما أكد تقييم المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، فإن خلق بيئة ممكنة يتطلب إجراءات مُنسقة وشاملة من الحكومة لإصلاح السياسات التي تشجع الأنشطة الضارة وتطوير أطر إفصاح موحدة تسمح للمؤسسات المالية بتحويل رأس المال بعيدًا عن الأعمال ذات الآثار السلبية نحو تلك التي تساهم في الحفاظ على البيئة والاستخدام المستدام. من خلال توسيع التمويل المختلط وأدوات تقليل المخاطر، إلى جانب تطوير أسواق طبيعية عالية النزاهة، يمكن للدول العربية تعبئة رأس المال الخاص بنجاح على نطاق واسع، مما يضمن انتقالًا قويًا اقتصاديًا ومستدامًا بيئيًا.

You may also like